دَعْوَتُنَا : لأَهْلِ القبلةِ جميعًا إلى التزامِ منهجِ السلفِ، والائْتِلاَفِ في إطارِ أهلِ السنَّةِ والجماعَةِ، والاجتماعِ على الكلمَةِ "كلمَةِ التوحيدِ" وإصلاحِ المجتمعاتِ على ضوءِ ذلك، وتجديدِ الدينِ، وحياةِ المسلمين؛ حتى ينهضوا من جديدٍ أمةً أفضلَ؛ تأمر بالمعروفِ وتنهَى عن المنكرِ وتؤمنُ باللهِ، وتقومُ بواجِبِ الدعوةِ والجهادِ.
: درس الأحد

  شرح كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي_13_1_1432هـ  
 
 
 

الباب الرابع في مأخذ أهل البدع بالاستدلال

كل خارج عن السنة ممن يدعي الدخول فيها والكون من أهلها لا بد له من تكلف في الاستدلال بأدلتها على خصوصات مسائلهم، وإلا كذب اطراحها دعواهم، بل كل مبتدع من هذه الأمة إما أن تدعي أنه هو صاحب السنة دون من خالفه من الفرق فلا يمكنه الرجوع إلى التعلق بشبهها، وإذا رجع إليها كان الواجب عليه أن يأخذ الاستدلال مأخذ أهله العارفين بكلام العرب وكليات الشريعة ومقاصدها، كما كان السلف الأول يأخذونها، إلا أن هؤلاء ـ كما يتبين بعد ـ لم يبلغوا مبلغ الناظرين فيها بإطلاق. إما لعدم الرسوخ في معرفة كلام العرب والعلم بمقاصدها. وإما لعدم الرسوخ في العلم بقواعد الأصول التي من جهتها تستنبط الأحكام الشرعية، وإما لعدم الأمرين جميعاً. فبالحري أن تصير مآخذهم للأدلة مخالفة لمأخذ من تقدمهم من المحققين للأمرين.

وإذا تقرر هذا فلا بد من التنبيه على تلك المآخذ لكي تحذر وتتقى فنقول:

قال الله سبحانه وتعالى: "فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله" وذلك أن هذه الآية شملت قسمين هما أصل المشي على طريق الصواب أو على طريق الخطأ.

أحدهما: الراسخون في العلم وهم الثابتو الأقدام في علم الشريعة. ولما كان ذلك متعذراً إلا على من حصل الأمرين المتقدمين لم يكن بد من المعرفة بهما معاً على حسب ما تعطيه المنة الإنسانية، وإذ ذاك يطلق عليه ( أنه راسخ في العلم ) ومقتضى الآية مدحه، فهو إذاً أهل للهداية والاستنباط.

وحين خص أهل الزيغ باتباع المتشابه دل التخصيص على أن الراسخين لا يتبعونه، فإذاً لا يتبعون إلا المحكم وهو أم الكتاب ومعظمه.

فكل دليل خاص أو عام شهد له معظم الشريعة فهو الدليل الصحيح، وما سواه فاسد. إذ ليس بين الصحيح والفاسد واسطة في الأدلة يستند إليها. وإذ لو كان ثم ثالث لنصت عليه الآية.

ثم لما خص الزائغون بكونهم يتبعون المتشابه أيضاً علم أن الراسخين لا يتبعونه، فإن تأولوه فبالرد إلى المحكم بأن أمكن حمله على المحكم، بمقتضى القواعد، فهذا المتشابه الإضافي لا الحقيقي. وليس في الآية نص على حكمه بالنسبة إلى الراسخين، فليرجع عندهم إلى المحكم الذي هو أم الكتاب، وإن لم يتأولوه بناءً على أنه متشابه حقيقي، فيقاتلون بالتسليم وقولهم: "آمنا به كل من عند ربنا" وهؤلاء هم أولو الألباب.

وكذلك ذكر في أهل الزيغ أنهم يتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة. فهم يطلبون به أهواءهم لحصول الفتنة. فليس في نظرهم إذاً في الدليل نظر المستبصر حتى يكون هواه تحت حكمه، بل نظر من حكم بالهوى، ثم أتى بالدليل كالشاهد له، ولم يذكر مثل ذلك في الراسخين، فهم إذن بضد هؤلاء حيث وقفوا في المتشابه فلم يحكموا فيه ولا عليه سوى التسليم، وهذا المعنى خاص بمن طلب الحق من الأدلة، لا يدخل فيه من طلب في الأدلة ما يصحح هواه السابق.

 


حقوق النشر والطبع © 1429هـ فضيلة الشيخ عبدالعزيز القارئ . جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2008 www.alqary.net . All rights reserved

info@alqary.net
69311