وأما علم المقاييس فأصله في السنة، ثم في علم السلف بالقياس. ثم قد جاء في ذم القياس أشياء حملوها على القياس الفاسد؛ فذلك من قبيل النظر في الأدلة. وقد كان السلف الصالح يجتمعون للنظر في المسائل الاجتهادية التي لا نص فيها للتعاون على استخراج الحق، فهو من قبيل التعاون على البر والتقوى، ومن قبيل المشاورة المأمور به، فكلاهما مأمور به.
وأما علم المعقول بالنظر. فأصل ذلك في الكتاب والسنة، لأن الله تعالى احتج في القرآن على المخالفين لدينه بالأدلة العقلية، كقوله: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا}، وقوله: {هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء}، وقوله: {أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات}. وحكى عن إبراهيم عليه السلام محاجته للكفار بقوله: {فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي} الخ. وفي الحديث حين ذكرت العدوى: "فمن أعدى الأول" إلى غير ذلك من الأدلة. فكيف يقال إنه من البدع؟
وقول عز الدين: إن الرد على القدرية وكذا غيرهم من أهل البدع، من البدع الواجبة، غير جار على الطريق الواضح، ولو سلم فهو من المصالح المرسلة.
وأما أمثلة البدع المحرمة فظاهرة.
وأما أمثلة المندوبة، فذكر منها إحداث الربط والمدارس، فإن عنى بالربط ما بني من الحصون والقصور قصدًا للرباط فيها، فلا شك أن ذلك مشروع بشرعية الرباط ولا بدعة فيه، وإن عنى بالربط ما بني لالتزام سكناها قصد الانقطاع إلى العبادة -لأن إحداث الربط التي شأنها أن تبنى تدينًا للمنقطعين للعبادة في زعم المحدثين، ويوقف عليها أوقاف يجري منها إلى الملازمين لها ما يقوم بهم في معاشهم من طعام ولباس وغيرهما- لا يخلو أن يكون لها أصل في الشريعة أم لا. فإن لم يكن لها أصل، دخلت في الحكم تحت قاعدة البدع التي هي ضلالات، فضلا عن أن تكون مباحة، فضلا عن أن تكون مندوبًا إليها وإن كان لها أصل فليست ببدعة. فإدخالها تحت جنس البدع غير صحيح.
ثم إن كثيرا ممن تكلم على هذه المسألة من المصنفين في التصوف تعلقوا بالصفة التي كانت في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتمع فيها فقراء المهاجرين، وهم الذين نزل فيهم {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه}، وقوله تعالى: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي}، فوصفهم الله بالتعبد والانقطاع إلى الله بدعائه قصدًا لله خالصًا فدل على أنهم انقطعوا لعبادة الله بدعائه قصدًا لله لا يشغلهم عن ذلك شاغل، فنحن إنما صنعنا صفة مثلها أو تقاربهها يجتمع فيها من أراد الانقطاع إلى الله، ويلتزم العبادة ويتجرد عن الدنيا والشغل بها. وذلك كان شأن الأولياء ينقطعون عن الناس، ويشتغلون بإصلاح بواطنهم، ويولون وجوههم شطر الحق، فهم على سيرة من تقدم.
وإنما يسمى ذلك بدعة باعتبار مَّا، بل هي سنة، وأهلها متبعون للسنة فهي طريقة خاصة لأناس. ولذلك لما قيل لبعضهم: في كم تجب الزكاة؟ قال: على مذهبنا أم على مذهبكم؟ ثم قال: أما على مذهبنا فالكل لله. وأما على مذهبكم فكذا وكذا _أو كما قال_ وهذا كله من الأمور التي جرت عند كثير من الناس هكذا غير محققة ولا منزلة على الدليل الشرعي، ولا على أحوال الصحابة والتابعين.
ولا بد من بسط طرف من الكلام في هذه المسألة _بحول الله_ حتى يتبين الحق فيها لما أنصف ولم يغالط نفسه وبالله التوفيق.
وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة كانت الهجرة واجبة على كل مؤمن بالله ممن كان بمكة أو غيرها.
فكان منهم من احتال على نفسه فهاجر بماله أو شيء منه فاستعان به لما قدم المدينة في حرفته التي كان يحترف من تجارة أو غيرها، كأبي بكر الصديق رضي الله عنه، فإنه هاجر بجميع ماله، وكان خمسة آلاف.
ومنهم من فر بنفسه ولم يقدر على استخلاص شيء من ماله، فقدم المدينة صفر اليدين.
وكان الغالب على أهل المدينة العمل في حوائطهم وأموالهم بأنفسهم فلم يكن لغيرهم معهم كبير فضل في العمل.
وكان من المهاجرين من أشركهم الأنصار في أموالهم وهم الأكثرون بدليل قصة بني النضير فإن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير قال للأنصار: "إن شئتم قسمتها بين المهاجرين وتركتم نصيبكم فيها وخلى المهاجرون بينكم وبين دوركم وأموالكم فإنهم عيال عليكم" فقالوا: نعم، ففعل ذلك نبي الله صلى الله عليه وسلم، غير أنه أعطى أبا دجانة وسهل بن حنيف، وذكر أنهم فقراء. وقد قال المهاجرون أيضا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! ما رأينا قوما أبذل من كثير، ولا أحسن مواساة من قليل من قوم نزلنا بين أظهرهم _يعني الأنصار_ لقد كفونا المؤنة، وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خفنا أن يذهبوا بالأجر كله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا؛ ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم".
ومنهم من كان يلتقط نوى التمر فيرضُّها ويبيعها علقا للإبل، ويتقوت من ذلك الوجه.
ومنهم من لم يجد وجها يكتسب به لقوت ولا لسكنى، فجمعهم النبي صلى الله عليه وسلم في صفة كانت في مسجده، وهي سقيفة كانت من جملته، إليها يأوون وفيها يقعدون، إذ لم يجدوا مالاً ولا أهلاً، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحض الناس على إعانتهم والإحسان إليهم، وقد وصفهم أبو هريرة رضي الله تعالى عنه إذ كان من جملتهم، وهو أعرف الناس بهم، قال في الصحيح: "وأهل الصفة أضياف الإسلام، لا يأوون على أهل ولا مال، ولا على أحد، إذا أتته _يعني النبي صلى الله عليه وسلم_ صدقة بعث بها إليهم، ولا يتناول منها شيئًا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها، وأشركهم فيها"، فوصفهم بأنهم أضياف الإسلام وحكم لهم _كما ترى_ بحكم الأضياف.
وإنما وجبت الضيافة في الجملة لأن من نزل بالبادية لا يجد منزلاً ولا طعامًا لشراءٍ، إذ لم يكن لأهل الوبر أسواق ينال منها ما يحتاج إليه من طعام يشتري، ولا خانات يأوي إليها، فصار الضيف مضطرًا وإن كان ذا مال، فوجب على أهل الموضع ضيافته وإيواؤه حتى يرتحل، فإن كان لا مال له فذلك أحرى. فكذلك أهل الصفة لما لم يجدوا منزلا آواهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد حتى يجدوا، كما أنهم حين لم يجدوا ما يقوتهم ندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى إعانتهم.
وفيهم نزل قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض} إلى قوله: {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله} الآية.
فوصفهم الله تعالى بأوصاف، منها أنهم أحصروا في سبيل الله، أي منعوا وحبسوا حين قصدوا الجهاد مع نبيه صلى الله عليه وسلم، كأن العدو أحصرهم فلا يستطيعون ضربًا في الأرض، لا لاتخاذ المسكن ولا للمعاش، كأن العدو قد أحاط بالمدينة. فلا هم يقدرون على الجهد حتى يكسبوا من غنائمه، ولا هم يتفرغون للتجارة أو غيرها لخوفهم من الكفار، ولضعفهم في أول الأمر، فلم يجدوا سبيلا للكسب أصلاً. وقد قيل: إن قوله تعالى: {لا يستطيعون ضربا في الأرض} أنهم قوم أصابتهم جراحات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فصاروا زمنى.
وفيهم أيضا نزل: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم} ألا ترى كيف قال{أخرجوا} ولم يقل: خرجوا، فإن قد كان يحتمل أن يخرجوا اختيارًا فبان أنهم إنما خرجوا منها اضطرارا؛ ولا وجدوا سبيلا أن لا يخرجوا لفعلوا. ففيه دليل على أن الخروج من المال اختيارًا ليس بمقصود للشارع؛ وهو الذي تدل عليه أدلة الشريعة. فلأجل ذلك بوأهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفة.
كانوا في أثناء ذلك ما بين طالب للقرآن والسنة، كأبي هريرة، فإنه قصر نفسه على ذلك. ألا ترى إلى قوله في الحديث: "وكنت ألزم رسول صلى الله عليه وسلم على ملء بطني، فأشهد إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا، وكان منهم من يتفرغ إلى ذكر الله وعبادته وقراءة القرآن، فإذا غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا معه، وإذا أقام أقام معه؛ حتى فتح الله على رسوله وعلى المؤمنين، فصاروا إلى ما صار الناس إليه غيرهم ممن كان ذا أهل ومال وطلب للمعاش واتخاذ المسكن، لأن العذر الذي حبسهم في الصفة قد زال، فرجعوا إلى الأصل لما زال العارض.
فالذي تحصل أن القعود في الصفة لم يكن مقصودًا لنفسه، ولا بناء الصفة للفقراء مقصودًا بحيث يقال: إن ذلك مندوب إليه لمن قدر عليه. ولا هي شرعية تطلب بحيث يقال: إن ترك الاكتساب والخروج عن المال والانقطاع إلى الزوايا يشبه حالة أهل الصفة، وهي الرتبة العليا لأنها تشبه بأهل صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين وصفهم الله تعالى في القرآن بقوله: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم} وقوله: {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} الآية. فإن ذلك لم يكن على ما زعم هؤلاء، بل كان على ما تقدم.
والدليل من العمل أن المقصود بالصفة لم يدم، ولم يثابر أهلها ولا غيرهم على البقاء فيها، ولا عمرت بعد النبي صلى الله عليه وسلم. ولو كان من قصد الشارع ثبوت تلك الحالة لكانوا هم أحق بفهمها أولاً، ثم بإقامتها والمكث فيها عن كل شغل، وأولى بتجديد معاهدها، لكنهم لم يفعلوا ذلك ألبتة، فالتشبيه بأهل الصفة إذًا في إقامة ذلك المعنى واتخاذ الزوايا والربط لا يصح. فليفهم الموفق هذا الموضع، فإنه مزلة قدم لمن لم يأخذ دينه عن السلف الأقدمين والعلماء الراسخين.
ولا يظن العاقل أن القعود عن الكسب ولزوم الربط مباح أو مندوب إليه أفضل من غيره، إذ ليس ذلك بصحيح، ولن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى ممن كان عليها أولها، ولا كفى المسكين المغتر بعمل الشيوخ المتأخرين إلى صدور هذه الطائفة المتصفين بالصوفية لم يتخذوا رباطا ولا زاوية، ولا بنوا بناء يضاهون به الصفة للاجتماع على التعبد والانقطاع عن أسباب الدنيا، كالفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم والجنيد وإبراهيم الخواص والحارث المحاسبى والشبلى، وغيرهم ممن سابق في هذا الميدان. وإنما محصول هؤلاء أنهم خالفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخالفوا السلف الصالح، وخالفوا شيوخ الطريقة التي انتسبوا إليها ولا توفيق إلا بالله. |