دَعْوَتُنَا : لأَهْلِ القبلةِ جميعًا إلى التزامِ منهجِ السلفِ، والائْتِلاَفِ في إطارِ أهلِ السنَّةِ والجماعَةِ، والاجتماعِ على الكلمَةِ "كلمَةِ التوحيدِ" وإصلاحِ المجتمعاتِ على ضوءِ ذلك، وتجديدِ الدينِ، وحياةِ المسلمين؛ حتى ينهضوا من جديدٍ أمةً أفضلَ؛ تأمر بالمعروفِ وتنهَى عن المنكرِ وتؤمنُ باللهِ، وتقومُ بواجِبِ الدعوةِ والجهادِ.
: درس الأحد

  شرح كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي_18_5_1431هـ  
 
 
 

وذكر القرافي من جملة الأمثلة إقامة صور الأئمة والقضاة إلخ ما قال، وليس ذلك من قبيل البدع بسبيل، أما أولاً فإن التجمل بالنسبة إلى ذوي الهيئات والمناصب الرفيعة مطلوب، وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم حلة يتجمل بها للوفود، ومن العلة في ذلك ما قاله القرافي من أن ذلك أهيب وأوقع في النفوس، من تعظيم العظماء، ومثله التجمل للقاء العظماء كما جاء في حديث أشج عبد القيس، وأما ثانياً: فإن سلمنا أن لا دليل عليه بخصوصه فهو من قبيل المصالح المرسلة، وقد مر أنها ثابتة في الشرع. وما قاله من أن عمر كان يأكل خبز الشعير ويفرض لعامله نصف شاة، فليس فيه تفخيم صورة الإمام ولا عدمه، بل فرض له ما يحتاج إليه خاصة، وإلا فنصف شاة لبعض العمال قد لا يكفيه لكثرة عيال وطروق ضيف وسائر ما يحتاج إليه من لباس وركوب وغيرهما، فذلك قريب من أكل الشعير في المعنى، وأيضاً فإن ما يرجع إلى المأكول والمشروب لا تجمل فيه بالنسبة إلى الظهور للناس.

وقوله: فكذلك يحتاجون إلى تجديد زخارف وسياسات لم تكن قديمة، وربما وجبت في بعض الأحوال، مفتقر إلى التأمل، ففيه ـ على الجملة ـ أنه مناقض لقوله في آخر الفصل: الخير كله في الاتباع، والشر كله في الابتداع مع ما ذكره قبله.

فهذا كلام يقتضي أن الابتداع شر كله، فلا يمكن أن يجتمع مع فرض الوجوب. وهو قد ذكر أن البدعة قد تجب، وإذا وجبت لزم العمل بها، وهي لما فاتت ضمن الشر كله فقد اجتمع فيها الأمر بها والأمر بتركها، ولا يمكن فيهما الانفكاك ـ وإن كانا من جهتين ـ لأن الوقوع يستلزم الاجتماع، وليسا كالصلاة في الدار المغصوبة. لأن الانفكاك في الوقوع ممكن، وها هنا إذا وجبت فإنما تجب على الخصوص، وقد فرض أن الشر فيها على الخصوص فلزم التناقض، وأما على التفصيل فإن تجديد الزخارف فيه من الخطأ ما لا يخفى.

وأما السياسات، فإن كانت جارية على مقتضى الدليل الشرعي فليست ببدع، وإن خرجت عن ذلك فكيف يندب إليها؟ وهي مسألة النزاع.

وذكر في قسم المكروه أشياء هي من قبيل البدع في الجملة ولا كلام فيها، أو من قبيل الاحتياط على العبادات المحضة أن لا يزداد فيها ولا ينقص منها، وذلك صحيح، لأن الزيادة فيها والنقصان منها بدع منكرة. فمآلاتها وذرائعها يحتاط بها في جانب النهي.

وذكر في قسم المباح مسألة المناخل، وليست ـ في الحقيقة ـ من البدع بل هي من باب التنعم، ولا يقال فيمن تنعم بمباح: إنه قد ابتدع، وإنما يرجع ذلك ـ إذا اعتبر ـ إلى جهة الإسراف في المأكل، لأن الإسراف كما يكون في جهة الكمية يكون في جهة الكيفية، فالمناخل لا تعدو القسمين، فإن كان الإسراف مما له بال، فإن كره، وإلا اغتفر مع أن الأصل الجواز.

ومما يحكيه أهل التذكير من الآثار أو أول ما أحدث الناس أربعة أشياء: المناخل، والشبع، وغسل اليدين بالأشنان بعد الطعام، والأكل على الموائد، وهذا كله ـ إن ثبت نقلاً ـ ليس ببدعة، وإنما يرجع إلى أمر آخر، وإن سلم أنه بدعة فلا نسلم أنها مباحة، بل هي ضلالة ومنهي عنها، ولكنا نقول بذلك.

فصل

وأما ما قاله عز الدين، فالكلام فيه على ما تقدم، فأمثلة الواجب منها من قبيل ما لا يتم الواجب إلا به ـ كما قال ـ فلا يشترط أن يكون معمولاً به في السلف ولا أن يكون له أصل في الشريعة على الخصوص، لأنه من باب المصالح المرسلة لا من البدع.

أما هذا الثاني فقد تقدم، وأما الأول لو كان ثم من يسير إلى فريضة الحج طيراناً في الهواء أو مشياً على الماء لم يعد مبتدعاً بمشيه كذلك، لأن المقصود إنما هو التوصل إلى مكة لأداء الفرض وقد حصل على الكمال. فكذلك هذا.

على أن هذه أشياء قد ذمها بعض من تقدم من المصنفين في طريقة التصوف وعدها من جملة ما ابتدع الناس، وذلك غير صحيح، ويكفي في رده إجماع الناس قبله على خلاف ما قال.

على أنه نقل عن القاسم بن مخيمرة: أنه ذكرت عنده العربية فقال: أولها كبر، وآخرها بغي، وحكي أن بعض السلف قال: النحو يذهب الخشوع من القلب، ومن أراد أن يزدري الناس كلهم فلينظر في النحو، ونقل نحو من هذه، وهذه كلها لا دليل فيها على الذم لأنه لم يذم النحو من حيث هو بدعة بل من حيث ما يكتسب به أمر زائد، كما يذم سائر علماء السوء لا لأجل علومهم بل لأجل ما يحدث لهم بالعرض من الكبر به والعجب وغيرهما، ولا يلزم من ذلك كون العلم بدعة، فتسمية العلوم التي يكتسب بها أمر مذموم بدعاً إما على المجاز المحض من حيث لم يحتج إليها أولاً ثم احيتج إليها بعد، أو من عدم المعرفة بموضوع البدعة، إذ من العلوم الشرعية ما يداخل صاحبها الكبر والزهو وغيرهما، ولا يعود ذلك عليها بذم.

ومما حكى هذه بعض المتصوفة عن بعض علماء الخلف قال: العلوم تسعة. أربعة منها سنة معروفة من الصحابة والتابعين، وخمسة محدثة لم تكن تعرف فيما سلف، فأما الأربعة المعروفة. فعلم الإيمان، وعلم القرآن، وعلم الآثار، والفتاوى، وأما الخمسة المحدثة: فالنحو، والعروض، وعلم المقاييس، والجدل في الفقه، وعلم المعقول بالنظر.

وهذا ـ إن صح نقله ـ فليس أولاً كما قال، فإن أهل العربية يحكون عن أبي الأسود الدؤلي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو الذي أشار عليه بوضع شيء في النحو حين سمع أعرابياً قارئاً. {أن الله بريء من المشركين ورسوله} ـ بالجر ـ وقد روي عن ابن مليكة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر أن لا يقرأ القرآن إلا عالم باللغة، وأمر أبا الأسود فوضع النحو، والعروض من جنس النحو، وإذا كانت الإشارة من واحد من الخلفاء الراشدين صار النحو والنظر في الكلام العربي من سنة الخلفاء الراشدين، وإن سلم أنه ليس كذلك، فقاعدة المصالح تعم علوم العربية، أي تكون من قبيل المشروع، فهي من جنس كتب المصحف وتدوين الشرائع، وما ذكر عن القاسم بن مخيمرة قد رجع عنه.

قال أحمد بن يحيى ثعلباً (؟) قال: كان أحد الأئمة في الدين يعيب النحو ويقول: أول تعلمه شغل، وآخره بغي يزدري العالم به الناس، فقرأ يوماً: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} برفع الله ونصب العلماء فقيل له: كفرت من حيث لا تعلم: تجعل الله يخشى العلماء؟ فقال: لا طعنت (؟ ) قال عن علم يؤول بي معرفة هذا أبداً.

قال عثمان بن سعيد الداني: الإمام الذي ذكره أحمد بن يحيى هم القاسم بن بن مخيمرة. قال: وقد جرى لعبد الله بن أبي إسحاق مع محمد بن سيرين كلام، وكان ابن سيرين ينتقص النحويين، فاجتمعا في جنازة فقرأ ابن سيرين: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} برفع اسم الله، فقال له ابن أبي إسحاق: كفرت يا أبا بكر. تعيب على هؤلاء الذين يقيمون كتاب الله؟ فقال ابن سيرين: إن كنت أخطأت فأستغفر الله.


حقوق النشر والطبع © 1429هـ فضيلة الشيخ عبدالعزيز القارئ . جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2008 www.alqary.net . All rights reserved

info@alqary.net
2232