وذكر شيخه في قواعده في فصل البدع منها ـ بعد ما قسم أحكامها إلى الخمسة ـ أن الطريق في معرفة ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة، فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة إلى أن قال: وللبدع الواجبة أمثلة.
أحدها: الاشتغال بالذي يفهم به كلام الله تعالى وكلاك رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك واجب لأن حفظ الشريعة واجب.
والثاني: حفظ غريب الكتاب والسنة من اللغة.
والثالث: تدوين أصول الفقه.
والرابع: الكلام في الجرح والتعديل لتمييز الصحيح من السقيم.
ثم قال: والبدع المحرمة أمثلة (منها) مذهب القدرية ومذهب الجبرية والمرجئة والمجسمة. والرد على هؤلاء من البدع الواجبة.
قال: وللمندوب أمثلة. (منها) إحداث الربط والمدارس وبناء القناطر. (ومنها) كل إحسان لم يعهد في الصدر الأول. (ومنها) الكلام في دقائق التصوف والكلام في الجدل. (ومنها) جمع المحافل، للاستدلال في المسائل، إن قصد بذلك وجهه تعالى.
قال: وللكراهة أمثلة. (ومنها) زخرفة المساجد وتزويق المصاحف. وأما تلحين القرآن بحيث تتغير ألفاظه عن الوضع العربي فالأصح أنه من البدع المحرمة.
قال: وللبدع المباحة أمثلة. (ومنها) المصافحة عقب صلاة الصبح والعصر، (ومنها) التوسع في اللذيذ من المأكل والمشرب والملابس والمساكن، ولبس الطيالسة وتوسيع الأكمام. وقد اختلف في بعض ذلك، فجعله بعض العلماء من البدع المكروهة، وجعله آخرون من السنن المفعولة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فما بعده كالاستعاذة والبسملة في الصلاة. انتهى محصول ما قال.
وهو يصرح مع ما قبله بأن البدع تنقسم بأقسام الشريعة، فلا يصح أن تحمل أدلة ذم البدع على العموم بل لها مخصصات.
والجواب: أن هذا التقسيم أمر مخترع لا يدل عليه دليل شرعي بل هو نفسه متدافع، لأن من حقيقة البدعة أن لا يدل عليها دليل شرعي لا من نصوص الشرع ولا من قواعده، إذ لو كان هنالك ما يدل من الشرع على وجوب أو ندب أو إباحة لما كان ثم بدعة، ولكان العمل داخلاً في عموم الأعمال المأمورة بها أو المخير فيها. فالجميع بين عد تلك الأشياء بدعاً، وبين كون الأدلة تدل على وجوبها أو ندبها أو إباحتها جمع بين متنافيين.
أما المكروه منها والمحرم فمسلم من جهة كونها بدعاً لا من جهة أخرى، إذ لو دل دليل على منع أمر أو كراهته لم يثبت ذلك كونه بدعة، لإمكان أن يكون معصية، كالقتل والسرقة وشرب الخمر ونحوها. فلا بدعة يتصور فيها ذلك التقسيم البتة، إلا الكراهية والتحريم حسبما يذكر في بابه.
فما ذكر القرافي عن الأصحاب من الاتفاق على إنكار البدع صحيح، وما قسمه فيها غير صحيح. ومن العجب حكاية الاتفاق مع المصادمة بالخلاف ومع معرفته بما يلزمه في خرق الإجماع. وكأنه إنما اتبع في هذا التقسيم شيخه من غير تأمل. فإن ابن عبد السلام ظاهر منه أنه سمى المصالح المرسلة بدعاً، بناءً ـ والله أعلم ـ على أنها لم تدخل أعيانها تحت النصوص المعينة. وإن كانت تلائم قواعد الشرع. فمن هنالك جعل القواعد هي الدالة على استحسانها بتسمية لها بلفظ البدع وهو من حيث فقدان الدليل المعين على المسألة، واستحسانها من حيث دخولها تحت القواعد. ولما بنى على اعتماد تلك القواعد استوت عنده مع الأعمال الداخلة تحت النصوص المعينة. وصار من القائلين بالمصالح المرسلة، وسماها بدعاً في اللفظ، كما سمى عمر رضي الله عنه الجمع في قيام رمضان في المسجد بدعة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
أما القرافي فلا عذر له في نقل تلك الأقسام على غير مراد شيخه، ولا على مراد الناس، لأنه خالف الكل في ذلك التقسيم فصار مخالفاً للإجماع.
ثم نقول: أما قسم الواجب فقد تقدم ما فيه آنفاً فلا نعيده، وأما قسم التحريم فليس فيه ما هو بدعة هكذا بإطلاق، بل ذلك كله مخالفة للأمر المشروع. فلا يزيد على تحريم أكل المال بالباطل إلا من جهة كونه موضوعاً على وزان الأحكام الشرعية اللازمة، كالزكوات المفروضة، والنفقات المقدرة، وسيأتي بيان ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى، وقد تقدم في الباب الأول منه طرف.
فإذاً لا يصح أن يطلق القول في هذا القسم بأنه بدعة أن يقسم الأمر ذلك.
وأما قسم المندوب فليس من البدع بحال وتبيين ذلك بالنظر في الأمثلة التي مثل لها بصلاة التراويح في رمضان جماعة في المسجد. فقد قام بها النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد واجتمع الناس خلفه.
فخرج أبو داود عن أبي ذر قال:
"صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رمضان، فلم يقم بنا شيئاً من الشهر حتى بقي سبع، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، فلما كانت السادسة لم يقم بنا؟ فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل فقلنا: يا رسول الله لو نفلتنا قيام هذه الليلة؟ قال فقال: إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام الليلة، قال: فلما كانت الرابعة لم يقم، فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح ـ قال ـ قلت: وما الفلاح؟ قال: السحور". ثم لم يقم بنا بقية الشهر، ونحوه في الترمذي، وقال فيه: حسنً صحيح.
لكنه صلى الله عليه وسلم لما خاف افتراضه على الأمة أمسك عن ذلك، ففي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها: "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد ذات ليلة فصلى بصلاته ناس، ثم صلى القابلة فكثر الناس ثم اجتمعوا الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح قال:
قد رأيت الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إلا أني خشيت أن يفرض عليكم "، وذلك في رمضان، وخرجه مالك في الموطأ.
فتأملوا ففي هذا الحديث ما يدل على كونها سنة، فإن قيامه أولاً بهم دليل على صحة القيام في المسجد جماعة في رمضان وامتناعه بعد ذلك من الخروج خشية الافتراض لا يدل على امتناعه مطلقاً، لأن زمانه كان زمان وحي وتشريع، فيمكن أن يوحى إليه إذا عمل به الناس بالإلزام، فلما زالت علة التشريع بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع الأمر إلى أصله، وقد ثبت الجواز فلا ناسخ له.
وإنما لم يقم ذلك أبو بكر رضي الله عنه لأحد أمرين: إما لأنه رأى أن قيام الناس آخر الليل وما هم به عليه كان أفضل عنده من جمعهم على إمام أول الليل ذكره الطرطوشي، وإما لضيق زمانه رضي الله عنه عن النظر في هذه الفروع، مع شغله بأهل الردة وغير ذلك مما هو أوكد من صلاة التراويح.
فلما تمهد الإسلام في زمن عمر رضي الله عنه ورأى الناس في المسجد أوزاعاً ـ كما جاء في الخبر ـ قال: لو جمعت الناس على قارئ واحد لكان أمثل، فلما تم له ذلك نبه على أن قيامهم آخر الليل أفضل، ثم اتفق السلف على صحة ذلك وإقراره، والأمة لا تجتمع على ضلالة.
وقد نص الأصوليون أن الإجماع لا يكون إلا عن دليل شرعي.
فإن قيل: فقد سماها عمر رضي الله عنه بدعة وحسنها بقوله: نعمت البدعة هذه وإذا ثبتت بدعة مستحسنة في الشرع ثبت مطلق الاستحسان في البدع.
فالجواب: إنما سماها بدعة باعتبار ظاهر الحال من حيث تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتفق أن لم تقع في زمان أبي بكر رضي الله عنه، لا أنها بدعة في المعنى، فمن سماها بدعة بهذا الاعتبار فلا مشاحة في الأساسي، وعند ذلك فلا يجوز أن يستدل بها على جواز الابتداع بالمعنى المتكلم فيه، لأنه نوع من تحريف الكلم عن مواضعه، فقد قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم.
وقد نهى النبي صلى ا لله عليه وسلم عن الوصال رحمةً بالأمة وقال:
"إني لست كهيئتكم، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" وواصل الناس بعده لعلمهم بوجه علة النهي حسبما يأتي إن شاء الله تعالى. |