دَعْوَتُنَا : لأَهْلِ القبلةِ جميعًا إلى التزامِ منهجِ السلفِ، والائْتِلاَفِ في إطارِ أهلِ السنَّةِ والجماعَةِ، والاجتماعِ على الكلمَةِ "كلمَةِ التوحيدِ" وإصلاحِ المجتمعاتِ على ضوءِ ذلك، وتجديدِ الدينِ، وحياةِ المسلمين؛ حتى ينهضوا من جديدٍ أمةً أفضلَ؛ تأمر بالمعروفِ وتنهَى عن المنكرِ وتؤمنُ باللهِ، وتقومُ بواجِبِ الدعوةِ والجهادِ.
: درس الأحد

  شرح كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي_26_4_1431هـ  
 
 
 

فصل

ومما يورد في هذا الموضع ومما يورد في هذا الموضع أن العلماء قسموا البدع بأقسام أحكام الشريعة الخمسة ولم يعدوها قسماً واحداً مذموماً، فجعلوا منها ما هو واجب ومندوب ومباح ومكروه ومحرم، وبسط ذلك القرافي بسطاً شافياً _ وأصل ما أتى به من ذلك شيخه عز الدين بن عبد السلام، وها أنا آتي به على نصه _ فقال: اعلم أن الأصحاب _ فيما رأيت، متفقون على إنكار البدع، نص على ذلك ابن أبي زيد وغيره، والحق التفصيل وأنها خمسة أقسام:

قسم واجب: وهو ما تناولته قواعد الوجوب وأدلته من الشرع، كتدوين القرآن والشرائع إذا خيف عليها الضياع، وأن التبليغ لمن بعدنا من القرون واجب إجماعاً، وإهمال ذلك حرام إجماعاً فمثل هذا النوع لا ينبغي أن يختلف في وجوبه.

القسم الثاني المحرم: وهو كل بدعة تناولتها قواعد التحريم وأدلته من الشريعة، كالمكوس والمحدثات من المظالم، والمحدثات المنافية لقواعد الشريعة، كتقديم الجهال على العلماء، وتولية المناصب الشرعية من لا يصلح لها بطريق التوريث، وجعل المستند في ذلك كون المنصب كان لأبيه، وهو في نفسه ليس بأهل.

القسم الثالث: أن من البدع ما هو مندوب إليه، وهو ما تناولته قواعد الندب وأدلته، كصلاة التراويح، ولإقامة صور الأئمة والقضاة وولاة الأمور على خلاف ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم، بسبب أن المصالح والمقاصد الشرعية لا تحصل إلا بعظمة الولاة في نفوس الناس. وكان الناس في زمن الصحابة رضي الله عنهم معظم تعظيمهم إنما هو بالدين وسبق الهجرة.

ثم اختل النظام وذهب ذلك القرن، وحدت قرن آخر لا يعظمون إلا بالصور فتعين تفخيم الصور حتى تحصل المصالح.

وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأكل خبز الشعير والملح، ويفرض لعامله نصف شاة كل يوم، لعلمه بأن الحالة التي هو عليها غيره لهان في نفوس الناس ولم يحترموه، وتجاسروا عليه بالمخالفة، فاحتاج إلى أن يضع غيره في صورة أخرى تحفظ النظام. ولذلك لما قدم الشام وجد معاوية بن أبي سفيان قد اتخذ الحجاب واتخذ المراكب النفسية والثياب الهائلة العلية، وسلك ما سلكه الملوك، فسأله عن ذلك، فقال: إنا بأرض نحن فيها محتاجون لهذا. فقال له: لا آمرك ولا أنهاك. ومعناه أنت أعلم بحالك هل أنت محتاج إليه أو غير محتاج إليه. فدل ذلك من عمر وغيره على أن أحوال الأئمة وولاة الأمور تختلف باختلاف الأمصار والقرون والأحوال. فكذلك يحتاج إلى تجديد زخارف وسياسات لم تكن قديمة، وربما وجبت في بعض الأحوال.

القسم الرابع: بدعة مكروهة وهي ما تناولته أدلة الكراهة من الشريعة وقواعدها كتخصيص الأيام الفاضلة أو غيرها بنوع من العبادة. ولذلك ورد في الصحيح _ خرجه مسلم وغيره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن تخصيص يوم الجمعة بصيام، أو ليلته بقيام.

ومن هذا الباب الزيادة في المندوبات المحدودات.

كما ورد في التسبيح عقب الفريضة ثلاثاً وثلاثين، فتفعل مائة.

وورد صاع في زكاة الفطر فيجعل عشرة أصواع، بسبب أن الزيادة فيها إظهار الاستظهار على الشارع وقلة أدب معه. بل شأن العظماء إذا حددوا شيئاً وقف عنده وعد الخروج عنه قلة أدب.

والزيادة في الواجب أو عليه أشد في المنع، لأنه يؤدي إلى أن يعتقد أن الواجب هو الأصل والمزيد عليه، ولذلك نهى مالك رضي الله عنه عن إيصال صيام ستة أيام من شوال، لئلا يعتقد أنها من رمضان.

وخرج أبو داود في سننه: أن رجلاً دخل إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الفرض وقام ليصلي ركعتين، فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اجلس حتى تفصل بين فرضك ونفلك، فبها هلك من قبلنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أصاب الله بك يا ابن الخطاب" يريد عمر أن من قبلنا وصلوا النوافل بالفرائض واعتقدوا الجميع واجباً، وذلك تغيير للشرائع، وهو حرام إجماعاً.

القسم الخامس: البدع المباحة، وهي ما تناولته أدلة الإباحة وقواعدها من الشريعة، كاتخاذ المناخل للدقيق، ففي الآثار: أول شيء أحدثه الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخاذ المناخل. لأن تليين العيش وإصلاحه من المباحات فوسائله مباحة.

فالبدعة إذا عرضت تعرض على قواعد الشرع وأدلته، فأي شيء تناولها من الأدلة والقواعد ألحقت به من إيجاب أو تحريم أو غيرها. وإن نظر إليها من حيث الجملة بالنظر إلى كونها بدعةً مع قطع النظر فيما يتقاضاها كرهت، فإن الخير كله في الاتباع، والشر كله في الابتداع. انتهى ما ذكره القرافي.

وذكر شيخه في قواعده في فصل البدع منها _ بعد ما قسم أحكامها إلى الخمسة _ أن الطريق في معرفة ذلك أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة، فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة إلى أن قال: وللبدع الواجبة أمثلة.

 


حقوق النشر والطبع © 1429هـ فضيلة الشيخ عبدالعزيز القارئ . جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2008 www.alqary.net . All rights reserved

info@alqary.net
1905