دَعْوَتُنَا : لأَهْلِ القبلةِ جميعًا إلى التزامِ منهجِ السلفِ، والائْتِلاَفِ في إطارِ أهلِ السنَّةِ والجماعَةِ، والاجتماعِ على الكلمَةِ "كلمَةِ التوحيدِ" وإصلاحِ المجتمعاتِ على ضوءِ ذلك، وتجديدِ الدينِ، وحياةِ المسلمين؛ حتى ينهضوا من جديدٍ أمةً أفضلَ؛ تأمر بالمعروفِ وتنهَى عن المنكرِ وتؤمنُ باللهِ، وتقومُ بواجِبِ الدعوةِ والجهادِ.
: درس الأحد

  شرح كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي_19_4_1431هـ  
 
 
 

أما جمع لمصحف وقصر الناس عليه فهو على الحقيقة من هذا الباب، إذ أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف تسهيلاً على العرب المختلفات اللغات، فكانت المصلحة في ذلك ظاهرة، إلا أنه عرض في إباحة ذلك بعد زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح لباب الاختلاف في القرآن، حيث اختلفوا في القراءة حسبما يأتي بحول الله تعالى، فخاف الصحابة رضوان الله تعالى عليهم اختلاف الأمة في ينبوع الملة، فقصروا الناس على ما ثبت منها في مصاحف عثمان رضي الله عنه، واطرحوا ما سوى ذلك، علماً بأن ما اطرحوه، مضمن فيما أثبتوه لأنه من قبيل القراءات التي يؤدي بها القرآن .

ثم ضبطوا ذلك بالرواية حين فسدت الألسنة، ودخل في الإسلام أهل العجمة خوفاً من فتح باب آخر من الفساد، وهو أن يدخل أهل الإلحاد في القرآن أو في القراءات ما ليس منها فيستعينوا بذلك في بث إلحادهم. ألا ترى أنه لما لم يمكنهم الدخول من هذا الباب دخلوا من جهة التأويل والدعوى في معاني القرآن، حسبما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى.

فحق ما فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن له أصلاً يشهد له في الجملة. وهو الأمر بتبليغ الشريعة، وذلك لا خلاف فيه، لقوله تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} وأمته مثله. وفي الحديث: "ليبلغ الشاهد منكم الغائب" وأشباهه. والتبليغ كما لا يتقيد بكيفية معلومة لأنه من قبيل المعقول المعنى، فيصح بأي شيء أمكن من الحفظ والتلقين والكتابة وغيرها، وكذلك لا يتقيد حفظه عن التحريف والزيغ بكيفية دون أخرى، إذا لم يعد على الأصل بإلإبطال كمسألة المصحف ولذلك أجمع عليه السلف الصالح.

وأما ما سوى المصحف فالأمر فيه أسهل، فقد ثبت في السنة كتابة العلم. ففي الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: "اكتبوا لأبي شاه" وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: ليس أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر حديثاً مني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب وكنت لا أكتب.

وذكر أهل السير أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم كتَّاب يكتبون له الوحي وغيره، منهم عثمان وعلي معاوية والمغيرة بن شعبة وأبي كعب وزيد بن ثابت وغيرهم، وأيضاً فإن الكتابة من قبيل ما لا يتم الواجب إلا به إذا تعين لضعف الحفظ، وخوف اندراس العلم، كما خيف على القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه، فدليل كتب العلم إذا خيف دروسه حينئذ. وهو الذي نبه عليه اللخمي فيما تقدم.

وإن تعلق بما ورد من الخلاف في المصالح المرسلة، وأن البناء عليها غير صحيح عند جماعة من الأصوليين، فالحجة عليهم إجماع الصحابة على المصحف والرجوع إليه. وإذا ثبت اعتبارها في صورة ثبت اعتبارها مطلقاً. ولا يبقى بين المختلفين نزاع إلا في الفروع.

وفي الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور" فأعطى الحديث – كما ترى – أن ما سنه الخلفاء الراشدون لاحق بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. لأن ما سنوه لا يعدو أحد أمرين: إما أن يكون مقصودًا بدليل شرعي، فذلك سنة لا بدعة. وإما بغير دليل - ومعاذ الله من ذلك - ولكن هذا الحديث دليل على إثباته سنة، إذ قد أثبته كذلك صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم. ودليله من الشرع ثابت فليس ببدعة. ولذلك أردف اتباعهم بالنهي عن البدع بإطلاق. ولو كان عملهم ذلك بدعةً لوقع في الحديث التدافع.

وبذلك يجاب عن مسألة قتل الجماعة بالواحد لأنه منقول عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو أحد الخلفاء الراشدين، وتضمين الصناع وهو منقول عن الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم.

وأما ما يروى عن عمر بن عبد العزيز فلم أره ثابتاً من طريق صحيح. وإن سلم فراجع إما لأصل المصالح المرسلة، وإما لباب تحقيق المناط، وكذلك الأخذ بقول الميت: دمي عند فلان، من باب المصالح المرسلة - إن لم نقل: إن أصله قصة البقرة. وإن ثبت أن المصالح المرسلة مقول بها عند السلف، مع أن القائلين بها يذمون البدع وأهلها ويتبرؤن منهم - دل على أن البدع مباينة لها وليست منها في شيء ولهذه المسألة باب تذكر فيه بعد إن شاء الله.

 


حقوق النشر والطبع © 1429هـ فضيلة الشيخ عبدالعزيز القارئ . جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2008 www.alqary.net . All rights reserved

info@alqary.net
2251