دَعْوَتُنَا : لأَهْلِ القبلةِ جميعًا إلى التزامِ منهجِ السلفِ، والائْتِلاَفِ في إطارِ أهلِ السنَّةِ والجماعَةِ، والاجتماعِ على الكلمَةِ "كلمَةِ التوحيدِ" وإصلاحِ المجتمعاتِ على ضوءِ ذلك، وتجديدِ الدينِ، وحياةِ المسلمين؛ حتى ينهضوا من جديدٍ أمةً أفضلَ؛ تأمر بالمعروفِ وتنهَى عن المنكرِ وتؤمنُ باللهِ، وتقومُ بواجِبِ الدعوةِ والجهادِ.
: درس الأحد

  شرح كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي_28_3_1431هـ  
 
 
 

وأما الاختلاف من جهة الدعوة إليها وعدمها فظاهر أيضاً، لأن غير الداعي وإن كان عرضة بالاقتداء فقد لا يقتدى به، ويختلف الناس في توفر دواعيهم على الاقتداء به، إذ قد يكون خامل الذكر، وقد يكون مشتهراً ولا يقتدي به، لشهرة من هو أعظم عند الناس منزلة منه.

وأما الداعي إذا دعا إليها فمظنة الاقتداء أقوى وأظهر، ولا سيما المبتدع اللسن الفصيح الآخذ بمجامع القلوب، إذا أخذ في الترغيب والترهيب، وأدلى بشبهته التي تداخل القلب بزخرفها، كما كان معبد الجهني يدعو الناس إلى ما هو عليه من القول بالقدر، ويلوي بلسانه نسبته إلى الحسن البصري.

فروي عن سفيان بن عيينة أن عمرو بن عبيد عن مسألة فأجاب فيها وقال: هو من رأي الحسن فقال له رجل: إنهم يروون عن الحسن خلاف هذا. فقال: إنما قلت لك هذا من رأيي الحسن يريد نفسه.

وقال محمد بن عبد الله الأنصاري: كان عمرو بن عبيد إذا سئل عن شيء قال: هذا من قول الحسن فيوهم أنه الحسن بن أبي الحسن وإنما هو قوله.

فهذا الوجه، الوزر فيه أعظم من مجرد الدعوة من وجهين: الأول الإخافة والإكراه بالإسلام والقتل، والآخر كثرة الداخلين في الدعوة، لأن الإعذار والإنذر الأخريين قد لا يقوم له كثير من النفوس، بخلاف الدنيوي. ولأجل ذلك شرعت الحدود والزواجر في الشرع، وإن الله ليزع بالسلطان، ما لا يزعه بالقرآن بالمبتدع إذا لم ينتصر بإجابة دعوته بمجرد الإعذار والإنذار الذي يعظ به، حاول الانتهاض بأولي الأمر، ليكون ذلك أحرى بالإجابة.

وأما الاختلاف من جهة كون البدعة حقيقية أو إضافية، فإن الحقيقية أعظم وزراً، لأنها التي باشرها المنتهي بغير واسطة، ولأنها مخالفة محضة وخروج عن السنة ظاهر. كالقول بالقدر، والتحسين والتقبيح، والقول بإنكار خبر لواحد، وإنكار الإجماع، وإنكار تحريم الخمر، والقول بالإمام المعصوم، وما أشبه ذلك.

فإذا فرضت إضافية: فمعنى الإضافية أنها مشروعة من وجه، ورأي مجرد من وجه.

إذ يدخلها من جهة المخترع رأي في بعض أحوالها فلم تناف الأدلة من كل وجه. هذا وإن كانت تجري مجرى الحقيقة، ولكن الفرق بينهما ظاهر كما سيأتي إن شاء الله.

وبحسب ذلك الاختلاف يختلف الوزر. ومثاله جعل المصاحف في المساجد للقراءة آخر صلاة الصبح بدعة.

قال مالك: أول من جعل مصحفاً الحجاج بن يوسف. يريد أنه أول من رتب القراءة في المصحف إثر صلاة الصبح في المسجد. قال ابن رشد: مثل ما يصنع عندنا إلى اليوم.

فهذه محدثة ـ أعني وضعه في المسجد ـ لأن القراءة في المسجد مشروع في الجملة معمول به، إلا أن تخصيص المسجد بالقراءة على ذلك الوجه هو المحدث.

ومثله وضع المصاحف في زماننا للقراءة يوم الجمعة وتحبيسها على ذلك القصد.

وأما الاختلاف من جهة كونها ظاهرة المأخذ أو مشكلة. فلأن الظاهر عند الإقدام عليها محض مخالفة، فإن كانت مشكلة فليست بمحض مخالفة، لإمكان أن لا تكون بدعة والإقدام على المحتمل، أخفض رتبة من الإقدام على الظاهر، ولذلك عدَّ العلماء ترك المتشابه من قبيل المندوب إليه في الجملة. ونبه الحديث على أن ترك المتشابه لئلا يقع في الحرام، فهو حمى له، وإن الواقع في المتشابه واقع في الحرام، وليس ترك الحرام في الجملة من قبيل المندوب بل من قبيل الواجب، فكذلك حكم الفعل المشتبه في البدعة، فالتقارب بينهما بين.

وإن قلنا: إن ترك المتشابه من باب المندوب، وإن مواقعته من باب المكروه فالاختلاف أيضاً واقع من هذه الجهة، فإن الإثم في المحرمة هو الظاهر. وأما المكروهة فلا إثم فيها في الجملة، ما لم يقترن بها ما يوجبها، كالإصرار عليها، إذ الإصرار على الصغيرة يصيرها كبيرة، فكذلك الإصرار على المكروه فقد يصيره صغيرة، ولا فرق بين الصغيرة والكبيرة في مطلق التأثيم، وإن حصل الفرق من جهة أخرى. بخلاف المكروه مع الصغيرة. والشأن في البدع ـ وإن كانت مكروهة ـ في الدوام عليها وإظهارها من المقتدى بهم في مجامع الناس وفي المساجد. فقلما تقدم بل تقع منهم على أصلها من الكراهية إلا ويقترن بها ما يدخلها في مطلق التأثيم من إصرار أو تعليم أو إشاعة أو تعصب لها أو ما أشبه ذلك. فلا يكاد يوجد في البدع ـ بحسب الوقوع ـ مكروه لا زائد فيه على الكراهية. والله أعلم.

وأما الاختلاف بحسب الإصرار عليها أو عدمه فلأن الذنب قد يكون صغيراً فيعظم بالإصرار عليه. كذلك البدعة تكون صغيرة فتعظم بالإصرار عليها. فإذا كانت فلته فهي أهون منها إذا داوم عليها. ويلحق بهذا المعنى إذا تهاون بها المبتدع وسهل أمرها، نظير الذنب إذا تهاون به. فالمتهاون أعظم وزراً من غيره.

وأما الاختلاف من جهة كونها كفراً وعدمه فظاهر أيضاً. لأن ما هو كفر جزاؤه التخليد في العذاب ـ عافانا الله ـ وليس كذلك ما لم يبلغ حكم سائر الكبائر مع الكفر في المعاصي، فلا بدعة أعظم وزراً من بدعة تخرج عن الإسلام، كما أنه لا ذنب أعظم من ذنب يخرج عن الإسلام. فبدعة الباطنية والزنادقة، ليس كبدعة المعتزلة والمرجئة وأشباههم، ووجوه التفاوت كثيرة، ولظهورها عند العلماء لم نبسط الكلام عليها. والله المستعان بفضله.


حقوق النشر والطبع © 1429هـ فضيلة الشيخ عبدالعزيز القارئ . جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2008 www.alqary.net . All rights reserved

info@alqary.net
2256