فصل
ولنزد هذا الموضع شيئا من البيان فإنه أكيد لأنه تحقيق مناط الكتاب وما احتوى عليه من المسائل فنقول وبالله التوفيق:
إن لفظ أهل الأهواء وعبارة أهل البدع إنما تطلق حقيقة على الذين ابتدعوها وقدموا فيها شريعة الهوى بالاستنباط والنصر لها والاستدلال على صحتها في زعمهم حتى عد خلافهم وشبههم منظورا فيها ومحتاجا إلى ردها والجواب عنها كما نقول في ألقاب الفرق من المعتزلة والقدرية والمرجئة والخوارج والباطنية ومن أشبههم بأنها ألقاب لمن قام بتلك النحل ما بين مستنط لها وناصرلها وذاب عنها كلفظ أهل السنة إنما يطلق على ناصريها وعلى من استنبط على وفقها والحامين لذمارها
ويرشح ذلك أن قول الله تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا} يشعر بإطلاق اللفظ على من جعل ذلك الفعل الذي هو التفريق وليس إلا المخترع أو من قام مقامه
وكذلك قوله تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا} وقوله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه} فإن اتباع المتشابه مختص بمن انتصب منصب المجتهد لا بغيره
وكذلك قول النبي صلى الله عليه و سلم:
"حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم" لأنهم أقاموا أنفسهم مقام المستنبط للأحكام الشرعية المقتدى به فيها بخلاف العوام فإنهم متبعون لما تقرر عند علمائهم لأنه فرضهم فليسوا بمتبعين للمتشابه حقيقة ولا هم متبعون للهوى وإنما يتبعون ما يقال لهم كائنا ما كان فلا يطلق على العوام لفظ أهل الأهواء حتى يخوضوا بأنظارهم فيها ويحسنوا بنظرهم ويقبحوا وعند ذلك يتعين للفظ أهل الأهواء وأهل البدع مدلول واحد وهو أنه من انتصب للابتداع ولترجيحه على غيرها وأما أهل الغفلة عن ذلك والسالكون سبل رؤساهم بمجرد التقليد من غير نظر فلا
فحقيقة المسألة أنها تحتوي على قسمين: مبتدع ومقتد به فالمقتدي به كأنه لم يدخل في العبارة بمجرد الاقتداء لأنه في حكم المتبع والمبتدع هو المخترع أو المستدل على صحة ذلك الاختراع وسواء علينا أكان ذلك الاستدلال من قبيل الخاص بالنظر في العلم أو كان من قبيل الاستدلال العامي فإن الله سبحانه ذم أقواما قالوا: {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} فكأنهم استدلوا إلى دليل جملي وهو الآباء إذ كانوا عندهم من أهل العقل وقد كانوا على هذا الدين وليس إلا لأنه صواب فنحن عليه لأنه لو كان خطأ لما ذهبوا إليه
وهو نظير من يستدل على صحة البدعة بعمل الشيوخ ومن يشار إليه بالصلاح ولا ينظر إلى كونه من أهل الاجتهاد في الشريعة أو من أهل التقليد ولا كونه يعمل بعلم أو بجهل ولكن مثل هذا يعد استدلالا في الجملة من حيث جعل عمدة في اتباع الهوى واطراح ما سواه فمن أخذ به فهو آخذ بالبدعة بدليل مثله ودخل في مسمى أهل الابتداع إذ كان من حق من كان هذا سبيله أن ينظر في الحق إن جاءه ويبحث ويتأنى ويسأل حتى يتبين له فيتبعه أو الباطل فيجتنبه ولذلك قال تعالى ردا على المحتجين بما تقدم: {قال أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم} وفي الآية الأخرى: {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا} فقال تعالى: {أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون} وفي الآية الأخرى: {أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير} وأمثال ذلك كثير
|