دَعْوَتُنَا : لأَهْلِ القبلةِ جميعًا إلى التزامِ منهجِ السلفِ، والائْتِلاَفِ في إطارِ أهلِ السنَّةِ والجماعَةِ، والاجتماعِ على الكلمَةِ "كلمَةِ التوحيدِ" وإصلاحِ المجتمعاتِ على ضوءِ ذلك، وتجديدِ الدينِ، وحياةِ المسلمين؛ حتى ينهضوا من جديدٍ أمةً أفضلَ؛ تأمر بالمعروفِ وتنهَى عن المنكرِ وتؤمنُ باللهِ، وتقومُ بواجِبِ الدعوةِ والجهادِ.
: درس الأحد

  شرح كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي_24_1_1431هـ  
 
 
 

القسم الثاني: يتنوع أيضا وهو الذي لم يستنبط بنفسه وإنما اتبع غيره من المستنبطين لكن بحيث أقر بالشبهة واستصوبها وقام بالدعوة بها مقام متبوعه لانقداحها في قلبه فهو مثل الأول وإن لم يصر إلى تلك الحال ولكنه تمكن حب المذهب من قلبه حتى عادى عليه ووالى

وصاحب هذا القسم لا يخلو من استدلال ولو على أعم ما يكون فقد يلحق بمن نظر في الشبهة وإن كان عاميا لأنه عرض للاستدلال وهو علم أنه لا يعرف النظر ولا ما ينظر فيه ومع ذلك فلا يبلغ من استدل بالدليل الجملي مبلغ من استدل على التفصيل وفرق بينهما في التمثيل:

أن الأول أخذ شبهات مبتدعة فوقف وراءها حتى إذا طولب فيها بالجريان على مقتضى العلم تبلد وانقطع أو خرج إلى ما لا يعقل وأما الثاني فحسن الظن بصاحب البدعة فتبعه ولم يكن له دليل على التفصيل يتعلق به إلا تحسين الظن بالمبتدع خاصة وهذا القسم في العوام كثير..

فمثال الأول حال حمدان بن قرمط المنسوب إليه القرامطة إذ كان أحد دعاة الباطنية فاستجاب له جماعة نسبوا إليه وكان رجلا من أهل الكوفة مائلا إلى الزهد فصادفه أحد دعاة الباطنية وهو متوجه إلى قريته وبين يديه بقر يسوقه فقال له حمدان ـ وهو لا يعرف حاله ـ: أراك سافرت عن موضع بعيد فأين مقصدك؟ فذكر موضعا هو قرية حمدان فقال له حمدان: اركب بقرة من هذا البقر لتستريح به عن تعب المشي فلما رآه مائلا إلى الديانة أتاه من ذلك الباب وقال: إني لم أؤمن بل أؤمر بذلك فقال له: وكأنك لا تعمل إلا بأمر فقال: نعم فقال حمدان: وبأمر من تعمل؟ قال بأمر مالكي ومالكك ومن له الدنيا والآخرة قال: ذلك هو رب العالمين قال: صدقت ولكن الله يهب ملكه من يشاء قال: وما غرضك في البقعة التي أنت متوجه إليها؟ قال: أمرت أن أدعو أهلها من الجهل إلى العلم ومن الضلال إلى الهدى ومن الشقاوة إلى السعادة وأن أستنقذهم من ورطات الذل والفقر وأملكهم ما يستغنون به عن الكد والتعب فقال له حمدان: أنقذني أنقذك الله وأفض علي من العمل ما تحييني به فما أشد احيتاجي لمثل ما ذكرت! فقال: فما أمرت أن أخرج السر المكنون إلى أحد إلا بعد الثقة به والعهد إليه فقال: فما عهدك؟ فاذكره فإني ملتزم له فقال: أن تجعل لي وللإمام عهد الله على نفسك وميثاقك ألا تخرج سر الإمام الذي ألقيه إليك ولا تفشي سري أيضا فالتزم حمدان عهده ثم اندفع الداعي في تعليمه فنون جهله حتى استدرجه واستغواه واستجاب له في جميع ما ادعاه ثم انتدب للدعوة وصار أصلا من أصول هذه البدعة فسمي أتباعه القرامطة

ومثال الثاني ما حكاه الله في قوله تعالى: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا} وقوله تعالى: {قال هل يسمعونكم إذ تدعون * أو ينفعونكم أو يضرون * قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون}

وحكى المسعودي أنه كان في أعلى صعيد مصر رجل من القبط ممن يظهر دين النصرانية وكان يشار إليه بالعلم والفهم فبلغ خبره أحمد بن طولون فاستحضره وسأله عن أشياء كثيرة من جملتها أنه أمر في بعض الأيام وقد أحضر مجلسه بعض أهل النظر ليسأله عن الدليل على صحة دين النصرانية فسألوه عن ذلك فقال: دليلي على صحتها وجودي إياها متناقضة متنافية تدفعها العقول وتنفر منها النفوس لتباينها وتضادها لا نظر يقويها ولا جدل يصححها ولا برهان يعضدها من العقل والحس عند أهل التأمل فيها والفحص عنها ورأيت مع ذلك أمما كثيرة وملوكا عظيمة ذوي معرفة وحسن سياسة وعقول راجحة قد انقادوا إليها وتدينوا بها مع ما ذكرت من تناقضها في العقل فعلمت أنهم لم يقبلوها ولا تدينوا بها إلا بدلائل شاهدوها وآيات ومعجزات عرفوها أوجبت انقيادهم إليها والتدين بها

فقال له السائل: وما التضاد الذي فيها؟ وهل يدرك ذلك أم تعلم غايته؟ منها قولهم بأن الثلاثة واحد وأن الواحد ثلاثة ووصفهم للأقانيم والجوهر وهو الثالوثي وهل الأقانيم في أنفسها قادرة عالمة أم لا؟ وفي اتحاد ربهم القديم بالانسان المحدث وما جرى في ولادته وصلبه وقتله وهل في التشنيع أكبر وأفحش من إله صلب وبصق في وجهه؟ ووضع على رأسه إكليل الشوك وضرب رأسه بالقضيب؟ وسمرت قدماه ونخز بالأسنة والخشب جنباه؟ وطلب الماء فسقي الخل من بطيخ الحنظل؟ فأمسكوا عن مناظرته لما قد أعطاهم من تناقض مذهبه وفساده اهـ

والشاهد من الحكاية الاعتماد على الشيوخ والآباء من غير برهان ولا دليل

القسم الثالث: يتنوع أيضا وهو الذي قلد غيره على البراءة الأصلية فلا يخلو أن يكون ثم من هو أولى بالتقليد منه بناء على التسامع الجاري بين الخلق بالنسبة إلى الجم الغفير إليه في أمور دينهم من عالم وغيره وتعظيمهم له بخلاف الغير أو لا يكون ثم من هو أولى منه لكنه ليس في إقبال الخلق عليه وتعظيمهم له ما يبلغ تلك الرتبة فإن كان هناك منتصبون فتركهم هذا المقلد وقلد غيرهم فهو آثم إذ لم يرجع إلى من أمر بالرجوع إليه بل تركه ورضي لنفسه بأخسر الصفقتين فهو غير معذور إذ قلد في دينه من ليس بعارف بالدين في حكم الظاهر فعمل بالبدعة وهو يظن أنه على الصراط المستقيم

وهذا حال من بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فإنهم تركوا دينهم الحق ورجعوا إلى باطل آبائهم ولم ينظروا نظر المستبصر حتى لم يفرقوا بين الطريقين وغطى الهوى على عقولهم دون أن يبصروا الطريق فكذلك أهل هذا النوع

وقل ما تجد من هذه صفته إلا وهو يوالي فيما ارتكب ويعادي بمجرد التقليد

خرج البغوي [عن أبي الطفيل الكناني أن رجلا ولد له غلام على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم فأتي به النبي صلى الله عليه و سلم فدعا له بالبركة وأخذ بجبهته فنبتت شعرة بجبهته كأنها سلفة فرس قال: فشب الغلام فلما كان زمن الخوارج أجابهم فسقطت الشعرة عن جبهته فأخذه أبوه فقيده وحبسه مخافة أن يلحق بهم أحد قال: فدخلنا عليه فوعظناه وقلنا له: ألم تر بركة النبي صلى الله عليه و سلم وقعت؟ قال: فلم نزل به حتى رجع عن رأيهم قال: فرد الله عز و جل الشعرة في جبهته إذ تاب]

وإن لم يكن هناك منتصبون إلى هذا المقلد الخامل بين الناس مع أنه قد نصب نفسه منصب المستحقين ففي تأثيمه نظر ويحتمل أن يقال فيه: إنه آثم


حقوق النشر والطبع © 1429هـ فضيلة الشيخ عبدالعزيز القارئ . جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2008 www.alqary.net . All rights reserved

info@alqary.net
8000