دَعْوَتُنَا : لأَهْلِ القبلةِ جميعًا إلى التزامِ منهجِ السلفِ، والائْتِلاَفِ في إطارِ أهلِ السنَّةِ والجماعَةِ، والاجتماعِ على الكلمَةِ "كلمَةِ التوحيدِ" وإصلاحِ المجتمعاتِ على ضوءِ ذلك، وتجديدِ الدينِ، وحياةِ المسلمين؛ حتى ينهضوا من جديدٍ أمةً أفضلَ؛ تأمر بالمعروفِ وتنهَى عن المنكرِ وتؤمنُ باللهِ، وتقومُ بواجِبِ الدعوةِ والجهادِ.
: درس الأحد

  شرح كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي_17_1_1431هـ  
 
 
 

قال ابن العربي في كتاب العواصم: خرجت من بلادي على الفطرة فلم ألق في طريقي إلا مهتديا حيث بلغت هذه الطائفة ـ يعني الإمامية والباطنية من فرق الشيعة ـ فهي أول بدعة لقيت ولو فجأتني بدعة مشبهة كالقول بالمخلوق أو نفي الصفات أو الإرجاء لم آمن الشيطان فلما رأيت حماقاتهم أقمت على حذر وترددت فيها على أقوام أهل عقائد سليمة ولبثت بينهم ثمانية أشهر ثم خرجت إلى الشام فوردت بيت المقدس فألفيت فيها ثماني وعشرين حلقة ومدرستين ـ مدرسة الشافعية بباب الأسباط وأخرى للحنفية ـ وكان فيها من رؤوس العلماء المبتدعة ومن أحبار اليهود والنصارى كثير فوعيت العلم وناظرت كل طائفة بحضرة شيخنا أبي بكر الفهري وغيره من أهل السنة

ثم نزلت إلى الساحل لأغراض وكان مملوءا من هذه النحل الباطنية والإمامية ـ فطفت في مدن الساحل لتلك الأغراض نحوا من خمسة أشهر ونزلت بعكا وكان رأس الإمامية بها حينئذ أبو الفتح العكي وبها من أهل السنة شيخ يقال له الفقيه الديبقي فاجتمعت بأبي الفتح في مجلسه وأنا ابن العشرين فلما رآني صغير السن كثير العلم متدربا ولع أبي فيهم ـ لعمر الله وإن كانوا على باطل ـ انطباع وإنصاف وإقرار بالفضل إذا ظهر فكان لا يفارقني ويساومني الجدال ولا يفاترني فتكلمت على مذهب الإمامية والقول بالتعليم من المعصوم بما يطول ذكره

ومن جملة ذلك أنهم يقولون: إن الله في عباده أسرارا وأحكاما والعقل لا يستقل بدركها فلا يعرف ذلك إلا من قبل إمام معصوم فقلت لهم: أمات الإمام المبلغ عن الله لأول ما أمره بالتبليغ أم هو مخلد؟ فقال لي: مات وليس هذا بمذهبه ولكنه تستر معي فقلت: هل خلفه أحد؟ فقال: خلفه وصيه علي قلت: فهل قضى بالحق وأنفذه؟ قال: لم يتمكن لغلبة المعاند قلت: فهل أنفذه حين قدر؟ قال: منعته التقية ولم تفارقه إلى الموت إلا أنها كانت تقوى تارة وتضعف أخرى فلم يمكن إلا المدارة لئلا تنفتح عليه أبواب الاختلال قلت: وهذه المدارة حق أم لا؟ فقال: باطل أباحته الضرورة قلت: فأين العصمة؟ قال: إنما نعني العصمة مع القدرة قلت: فمن بعده إلى الآن وجدوا القدرة أم لا؟ قال: لا قلت: فالدين مهمل والحق مجهول مخمل؟ قال: سيظهر قلت: بمن؟ قال: بالإمام المنتظر قلت: لعله الدجال فما بقي أحد إلا ضحك وقطعنا الكلام على غرض مني لأني خفت أن ألجمه فينتقم مني في بلاده

ثم قلت: ومن أعجب ما في هذا الكلام أن الكلام أن الإمام إذا أوصى إلى من لا قدرة له فقد ضيع فلا عصمة له وأعجب منه أن الباري تعالى ـ على مذهبه ـ إذا علم أنه لا علم إلا بمعلم وأرسله عاجزا مضطربا لا يمكنه أن يقول ما علم فكأنه ما علمه وما بعثه وهذا عجز منه وجور لا سيما على مذهبهم

فرأوا من الكلام ما لم يمكنهم أن يقوموا معه بقائمة وشاع الحديث فرأى رئيس الباطنية المسمين بالإسماعيلية أن يجتمع معي فجاءني أبو الفتح إلى مجلس الفقيه الديبقي وقال: إن رئيس الإسماعيلية رغب في الكلام معك فقلت: أنا مشغول فقال: هنا موضع مرتب قد جاء إليه وهو محرس الطبرانيين مسجد في قصر على البحر وتحامل علي فقمت ما بين حشمة وحسبة ودخلت قصر المحرس وطلعنا إليه فوجدتهم قد اجتمعوا في زاوية المحرس الشرقية فرأيت النكر في وجوههم فسلمت ثم قصدت جهة المحراب فركعت عنده ركعتين لا عمل لي فيهما إلا تدبير القول معهم والخلاص منهم فلعمر الذي قضى علي بالإقبال إلى أن أحدثكم إن ما كنت رجوت الخروج عن ذلك المجلس أبدا ولقد كنت أنظر في البحر يضرب في حجارة سود محددة تحت طاقات المحرس فأقول: هذا قبري الذي يدفنوني فيه وأنشد في سري:

( ألا! هل إلى الدنيا معاد؟ وهل لنا... سوى البحر قبر؟ أو سوى الماء أكفان )

وهي كانت الشدة الرابعة من شدائد عمري الذي أنقذني الله منها فلما سلمت استقبلتهم وسألتهم عن أحوالهم عادة وقد اجتمعت إلي نفسي وقلت: أشرف ميتة في أشرف موطن أناضل فيه عن الدين فقال لي أبو الفتح ـ وأشار إلى فتى حسن الوجه ـ هذا سيد الطائفة ومقدمها فدعوت له فسكت فبادرني وقال: قد بلغتني مجالسك وأنهي إلي كلامك وأنت تقول: قال الله وفعل فأي شيء هو الله الذي تدعو إليه؟ أخبرني وأخرج عن هذه المخرقة التي جازت لك على هذه الطائفة الضعيفة وقد اختطفني أصحابه قبل الجواب فعمدت ـ بتوفيق الله إلى كنانتي واستخرجت منها سهما أصاب حبة قلبه فسقط لليدين وللفم

وشرح ذلك أن الإمام أبا بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي الحافظ الجرجاني قال: كنت أبغض الناس فيمن يقرأ علم الكلام فدخلت يوما إلى الري ودخلت جامعها أول دخولي واستقبلت سارية أركع عندها وإذا بجواري رجلان يتذكران علم الكلام فتطيرت بهما وقلت: أول ما دخلت هذا البلد سمعت فيه ما أكره وجعلت أخفف الصلاة حتى أبعد عنهما فعلق بي من قولهما: إن هؤلاء الباطنية أسخف خلق الله عقولا وينبغي للنحرير أن لا يتكلف لهم دليلا ولكن يطالبهم بلم فلا قبل لهم بها وسلمت مسرعا

وشاء الله بعد ذلك أن كشف رجل من الإسماعيلية القناع في الإلحاد وجعل يكاتب وشمكير الأمير يدعوه إليه ويقول له: إني لا أقبل دين محمد إلا بالمعجزة فإن أظهرتموها رجعنا إليكم وانجرت الحال إلى أن اختاروا منهم رجلا له دهاء ومنة ( أي قوة ) فورد على وشمكير رسولا فقال له: إنك أمير ومن شأن الأمراء والملوك أن تتخصص عن العلوم ولا تقلد أحدا في عقيدة وإنما حقهم أن يفصحوا عن البراهين فقال وشمكير: أختار رجلا من أهل مملكتي ولا أنتدب للمناظرة بنفسي فيناظرك بين يدي فقال له الملحد: اختر أبا بكر الإسماعيلي لعلمه بأنه ليس من أهل علم التوحيد وإنما كان إماما في الحديث ولكن كان وشمكير ـ لعاميه فيه ـ يعتقد أنه أعلم أهل الأرض بأنواع العلوم فقال وشمكير: ذلك مرادي فإنه رجل جيد فأرسل إلى أبي بكر الإسماعيلي بجرجان ليرحل إليه إلى غزنه فلم يبق من العلماء أحد إلا يئس من الدين وقال سيبهت الإسماعيلي الكافر مذهبا الإسماعيلي الحافظ مذهبا ولم يمكنهم أن يقولوا للملك: إنه لا علم عنده بذلك لئلا يتهمهم فلجأوا إلى الله في نصر دينه

قال الإسماعيلي الحافظ: فلما جائني البريد وأخذت في المسير وتدانت لي الدار قلت: إنا لله وكيف أناظر فيما لا أدري؟ هل أتبرأ عند الملك وأرشده إلى من يحسن الجدل ويعلم بحجج الله على دينه؟ ندمت على ما سلف من عمري إذا لم أنظر في شيء من علم الكلام ثم أذكرني الله ما كنت سمعته من الرجلين بجامع الري فقويت نفسي وعولت على أن أجعل ذلك عمدتي وبلغت البلد فتلقاني الملك ثم جميع الخلق وحضر الإسماعيلي المذهب مع الإسماعيلي النسب وقال الملك للباطني: أذكر قولك يسمعه الإمام فلما أخذ في ذكره واستوفاه قال له الحافظ: لم؟ سمعها الملحد قال: هذا إمام قد عرف مقالتي ففهمت قال الإسماعيلي: فخرجت من ذلك الوقت وأمرت بقراءة علم الكلام وعملت أنه عمدة من عمد الإسلام

قال ابن العربي: وأنا حين انتهى بي الأمر إلى ذلك قلت: إن كان في الأجل تنفس فهذا شبيه بيوم الإسماعيلي فوجهت إلى أبي الفتح الكلام وقلت له: لقد كنت في لا شيء ولو خرجت من عكا قبل أن أجتمع بهذا العالم ما رحلت إلا عريا عن نادرة الأيام ونظر إلى حذقه بالكلام ومعرفته حيق قال لي: أي شيء هو الله؟ ولا يسأل بمثل هذا إلا مثله ولكن بقيت ها هنا نكتة لا بد من أن نأخذها اليوم عنه وتكون ضيافتنا عنده لم قلت: أي شيء هو الله فاقتصرت من حروف الاستفهام على أي وتركت الهمزة وهل وكيف وأنى وكم وما هي أيضا من ثواني حروف الاستفهام وعدلت عن اللام من حروفه وهذا سؤال ثان عن حكمة ثانية وهو أن لـ أي معنيين في الاستفهام فأي المعنيين قصدت بها؟ ولم سألت بحرف محتمل؟ ولم تسأل بحرف مصرح بمعنى واحد؟ هل وقع ذلك بغير علم ولا قصد حكمة؟ أم بقصد حكمة؟ فبينها لنا

فما هو إلا أن افتتحت هذا الكلام وانبسطت فيه وهو يتغير حتى اصفر آخرا من الوجل كما اسود أولا من الحقد ورجع أحد أصحابه الذي كان عن يمينه إلى آخر كان بجانبه وقال له: ما هذا الصبي إلا بحر زاخر من العلم ما رأينا مثله قط وهم ما رأوا واحدا به رمق إلا أهلكوه لأن الدولة لهم ولولا مكاننا من رفعة دولة ملك الشام ووالي عكا كان يحظينا ما تخلصت منهم في العادة أبدا

وحين سمعت تلك الكلمة من إعظامي قلت: هذا مجلس عظيم وكلام طويل يفتقر إلى تفصيل ولكن نتواعد إلى يوم آخر وقمت وخرجت فقاموا كلهم معي وقالوا: لا بد أن تبقى قليلا فقلت: لا وأسرعت حافيا وخرجت على الباب أعدو حتى أشرفت على قارعة الطريق وبقيت هناك مبشرا نفسي بالحياة حتى خرجوا بعدي وأخرجوا لي ( لا يكي ) ولبستها ومشيت معهم متضاحكا ووعدوني بمجلس آخر فلم أوف لهم وخفت وفاتي في وفائي

قال ابن العربي: وقد قال لي أصحابنا النصرية بالمسجد الأقصى: إن شيخنا أبا الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي اجتمع برئيس من الشيعة الإمامية فشكا إليه فساد الخلق وأن هذا الأمر لا يصلح إلا بخروج الإمام المنتظر فقال نصر: هل لخروجه ميقات أم لا؟ قال الشيعي: نعم قال له أبو الفتح: ومعلوم هو أو مجهول؟ قال: معلوم قال نصر: ومتى يكون؟ قال: إذا فسد الخلق قال أبو الفتح: فهل تحبسونه عن الخلق وقد فسد جميعهم إلا أنتم فلو فسدتم لخرج فأسرعوا به وأطلقوه من سجنه وعجلوا بالرجوع إلى مذهبنا فبهت وأظنه سمعها عن شيخه أبي الفتح سليمان بن أيوب الرازي الزاهد

انتهى ما حكاه ابن العربي وغيره وفيه غنية لمن عرج عن تعرف أصولهم وفي أثناء الكتاب منه أمثلة كثيرة


حقوق النشر والطبع © 1429هـ فضيلة الشيخ عبدالعزيز القارئ . جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2008 www.alqary.net . All rights reserved

info@alqary.net
7916