دَعْوَتُنَا : لأَهْلِ القبلةِ جميعًا إلى التزامِ منهجِ السلفِ، والائْتِلاَفِ في إطارِ أهلِ السنَّةِ والجماعَةِ، والاجتماعِ على الكلمَةِ "كلمَةِ التوحيدِ" وإصلاحِ المجتمعاتِ على ضوءِ ذلك، وتجديدِ الدينِ، وحياةِ المسلمين؛ حتى ينهضوا من جديدٍ أمةً أفضلَ؛ تأمر بالمعروفِ وتنهَى عن المنكرِ وتؤمنُ باللهِ، وتقومُ بواجِبِ الدعوةِ والجهادِ.
: درس الأحد

  شرح كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي_10_1_1431هـ  
 
 
 

فصل

 لا يخلو المنسوب إلى البدعة أن يكون مجتهدا أو مقلدا

 لا يخلو المنسوب إلى البدعة أن يكون مجتهدا فيها أو مقلدا والمقلد إما مقلد مع الإقرار بالدليل الذي زعمه المجتهد دليلا والأخذ فيه بالنظر وإما مقلد له فيه من غير نظر كالعامي الصرف فهذه ثلاثة أقسام:

فالقسم الأول: على ضربين: أحدهما أن يصح كونه مجتهدا فالابتداع منه لا يقع إلا فلته وبالعرض لا بالذات وإنما تسمى غلطة أو زلة لأن صاحبها لم يقصد اتباع المتشابه ابتغاء الفتنة تأويل الكتاب أي لم يتبع هواه ولا جعله عمدة والدليل عليه أنه إذا ظهر له الحق أذعن له وأقر به

ومثاله ما يذكر عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أنه كان يقول بالإرجاء ثم رجع عنه وقال: وأول ما أفارق ـ غير شاك ـ أفارق ما يقول المرجئون

وذكر مسلم عن يزيد بن صهيب الفقير قال: كنت قد شغفني رأي من رأي الخوارج فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد أن نحج ثم نخرج على الناس قال فمررنا على المدينة فإذا جابر بن عبد الله يحدث القوم جالسا إلى سارية عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: وإذا هو قد ذكر الجهنميين قال: فقلت له: يا صاحب رسول الله ما هذا الذي تحدثون؟ ـ والله يقول: {إنك من تدخل النار فقد أخزيته} و{كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها} فما هذا الذي تقولون؟ قال: فقال: أفتقرأ القرآن؟ قلت: نعم قال: فهل سمعت بمقام محمد صلى الله عليه و سلم؟ ـ يعني الذي بعثه الله فيه ـ قلت: نعم قال: فإنه مقام محمد صلى الله عليه و سلم المحمود الذي يخرج الله به من يخرج من النار قال: ثم نعت وضع الصراط ومر الناس عليه قال: وأخاف ألا أكون أحفظ ذلك قال: غير أنه قد زعم أن قوما يخرجون من النار بعد أن يونوا فيها قال: يعني فيخرجون كأنهم القراطيس فرجعنا وقلنا: ويحكم ! أترون الشيخ يكذب على رسول الله صلى الله عليه و سلم؟ فرجعنا فلا والله ما خرج منا غير رجل واحد أو كما قال

ويزيد الفقير من ثقات أهل الحديث وثقة ابن معين وأبو زرعة وقال أبو حاتم: صدوق وخرج عنه البخاري

وعبيد الله بن الحسن العنبري كان من ثقة أهل الحديث ومن كبار العلماء العارفين بالسنة إلا أن الناس رموه بالبدعة بسبب قول حكى عنه من أنه كان يقول: بأن كل مجتهد من أهل الأديان مصيب حتى كفره القاضي أبو بكر وغيره وحكى القتيبي عنه كان يقول: إن القرآن يدل على الاختلاف فالقول بالقدر صحيح وله أصل في الكتاب والقول بالإجبار صحيح وله أصل في الكتاب ومن قال بهذا فهو مصيب لأن الآية الواحدة ربما دلت على وجهين مختلفين

وسئل يوما عن أهل القدر وأهل الإجبار قال: كل مصيب هؤلاء قوم عظموا الله وهؤلاء قوم نزهوا الله قال: وكذلك القول في الأسماء فكل من سمى الزاني مؤمنا فقد أصاب ومن سماه كافرا فقد أصاب ومن قال هو فاسق وليس بمؤمن ولا كافر فقد أصاب ومن قال هو كافر وليس بمشرك فقد أصاب لأن القرآن يدل على كل هذه المعاني قال: وكذلك السنن المختلفة كالقول بالقرعة وخلافه والقول بالسعاية وخلافه وقتل المؤمن بالكافر ولا يقتل مؤمن بكافر وبأي ذلك أخذ الفقيه فهو مصيب قال: ولو قال قائل: إن القاتل في النار كان مصيبا ولو قال: في الجنة كان مصيبا ولو وقف وأرجأ أمره كان مصيبا إذا كان إنما يريد بقوله إن الله تعبده بذلك وليس عليه علم الغيب

قال ابن أبي خثيمة: أخبرني سليمان بن أبي شيخ قال: كان عبيد الله بن الحسن بن الحسين بن أبي الحريقي العنبري البصري اتهم بأمر عظيم وروى عنه كلام رديء

قال بعض المتأخرين: هذا الذي ذكره ابن أبي شيخ عنه قد روي أنه رجع عنه لما تبين له الصواب وقال: إذا أرجع وأنا من الأصاغر ولأن أكون ذنبا في الحق أحب إلي أن أكون رأا في الباطل اهـ

فإن ثبت عنه ما قيل فيه فهو على جهة الزلة من العالم وقد رجع عنها رجوع الأفاضل إلى الحق لأنه بحسب ظاهر حالة فيما نقل عنه إنما اتبع ظواهر الأدلة الشرعية فيما ذهب إليه ولم يتبع عقله ولا صادم الشرع بنظره فهو أقرب من مخالفة الهوى

ومن ذلك الطريق ـ والله أعلم ـ وفق إلى الرجوع إلى الحق

وكذلك يزيد الفقير فيما ذكره عنه لا كما عارض الخوارج عبد الله بن عباس رضي الله عنه إذ طالبه بالحجة فقال بعضهم: لا تخاصموه فإنه ممن قال الله فيه: {بل هم قوم خصمون} فرجحوا المتشابه على المحكم وناصبوا بالخلاف السواد الأعظم

وأما إن لم يصح بمسبار العلم أنه من المجتهدين فهو الحري باستنباط ما خالف الشرع كما تقدم إذ قد اجتمع له مع الجهل بقواعد الشرع الهوى الباعث عليه في الأصل وهو التبعية إذ قد تحصل له مرتبة الإمامة والاقتداء وللنفس فيها من اللذة ما لا مزيد عليه ولذلك يعسر خروج حب الرئاسة من القلب إذا انفرد حتى قال الصوفية: حب الرئاسة آخر ما يخرج من قلوب الصديقين فكيف إذا انضاف إليه الهوى من الأصل وانضاف إلى هذين الأمرين دليل ـ في ظنه ـ شرعي على صحة ما ذهب إليه فيتمكن الهوى من قلبه تمكنا لا يمكن في العادة الانفكاك عنه وجرى منه مجرى الكلب من صاحبه

كما جاء في حديث الفرق فهذا النوع ظاهر أنه آثم في ابتداعه إثم من سن سنة سيئة

ومن أمثلته أن الإمامية من الشيعة تذهب إلى وضع خليفة دون النبي صلى الله عليه و سلم وتزعم أنه مثل النبي صلى الله عليه و سلم في العصمة بناء على أصل متوهم فوضعوه على أن الشريعة أبدا مفتقرة إلى شرح وبيان لجميع المكلفين إما بالمشافهة أو بالنقل ممن شافه المعصوم وإنما وضعوا ذلك بحسب ما ظهر لهم بادىء الرأي من غير دليل عقلي ولا نقلي بل بشبهة زعموا أنها عقلية وشبه من النقل باطلة إما في أصلها وإما في تحقيق مناطها وتحقيق ما يدعون ولما يرد عليهم به مذكرو في كتب الأئمة وهو يرجع ـ في الحقيقة ـ إلى دعاو وإذا طولبوا بالدليل عليها سقط في أيديهم إذ لا برهان لهم من جهة من الجهات

وأقوى شبههم مسألة اختلاف الأمة وأنه لا بد من واحد يرتفع به الخلاف أن الله يقول: {ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك} ولا يكون كذلك إلا إذا أعطي العصمة كما أعطيها النبي صلى الله عليه و سلم لأنه وارث وإلا فكل محق أو مبطل يدعي أنه المرحوم وأنه الذي وصل إلى الحق دون من سواه فإن طولبوا بالدليل على العصمة لم يأتوا بشيء غير أن لهم مذهبا يخفونه ولا يظهرونه إلا لخواصهم لأنه كفر محض ودعوى بغير برهان


حقوق النشر والطبع © 1429هـ فضيلة الشيخ عبدالعزيز القارئ . جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2008 www.alqary.net . All rights reserved

info@alqary.net
7929