دَعْوَتُنَا : لأَهْلِ القبلةِ جميعًا إلى التزامِ منهجِ السلفِ، والائْتِلاَفِ في إطارِ أهلِ السنَّةِ والجماعَةِ، والاجتماعِ على الكلمَةِ "كلمَةِ التوحيدِ" وإصلاحِ المجتمعاتِ على ضوءِ ذلك، وتجديدِ الدينِ، وحياةِ المسلمين؛ حتى ينهضوا من جديدٍ أمةً أفضلَ؛ تأمر بالمعروفِ وتنهَى عن المنكرِ وتؤمنُ باللهِ، وتقومُ بواجِبِ الدعوةِ والجهادِ.
: درس الأحد

  شرح كتاب الاعتصام للإمام الشاطبي_3_1_1431هـ  
 
 
 

أحدهما: أن الأدلة المذكورة إن جاءت فيهم نصا فظاهر كقوله تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} وقوله: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} إلى آخر الآية وقوله عليه السلام:

[فليذادن رجال عن حوضي] الحديث إلى سائر ما نص فيه عليهم وإن كانت نصا في البدعة فراجعة المعنى إلى المبتدع من غير إشكال وإذا رجع الجميع إلى ذمهم رجع الجميع إلى تأثيمهم

والثاني: أن الشرع قد دل على أن الهوى هو المتبع الأول في البدع وهو المقصود السابق في حقهم ودليل الشرع كالتبع في حقهم ولذلك تجدهم يتأولون كل دليل خالف هواهم ويتبعون كل شبهة وافقت أغراضهم ألا ترى إلى قوله تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} فأثبت لهم الزيغ أولا وهو الميل عن الصواب ثم اتباع المتشابه وهو خلاف المحكم الواضح المعنى الذي هو أم الكتاب ومعظمه ومتشابهه على هذا قليل فتركوا اتباع المعظم إلى اتباع الأقل المتشابه الذي لا يعطي مفهوما واضحا ابتغاء تأويله وطلبا لمعناه الذي لا يعلمه إلا الله أو يعلمه الله والراسخون في العلم وليس إلا برده إلى المحكم ولم يفعل المبتدعة ذلك فانظروا كيف اتبعوا أهواءهم أولا في مطالبة الشرع بشهادة الله

وقال الله تعالى: {إن الذين فرقوا دينهم} الآية

فنسب إليهم التفريق ولو كان التفريق من مقتضى الدليل لم ينسبه إليهم ولا أتى به في معرضهم الذم وليس ذلك إلا باتباع الهوى

وقال تعالى: {ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} فجعل طريق الحق واضحا مستقيما ونهى عن البنيات والواضح من الطرق والبنيات كل ذلك معلوم بالعوائد الجارية فإذا وقع التشبيه بها بطريق الحق مع البنيات في الشرع فواضح أيضا فمن ترك الواضح واتبع غيره فهو متبع لهواه لا للشرع

وقال تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} فهذا دليل على مجيء البيان الشافي وأن التفرق إنما حصل من جهة المتفرقين لا من جهة الدليل فهو إذا من تلقاء أنفسهم وهو اتباع الهوى بعينه والأدلة على هذا كثيرة تشير أو تصرح بأن كل مبتدع إنما يتبع هواه وإذا اتبع هواه كان مذموما وآثما والأدلة عليه أيضا كثيرة كقوله: {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} وقوله: {ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد} وقوله:

{ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه} وما أشبه ذلك فإذا كل مبتدع مذموم آثم.

والثالث: أن عامة المبتدعة قائلة بالتحسن والتقبيح فهو عمدتهم الأولى وقاعدتهم التي يبنون عليها الشرع فهو المقدم في نحلهم بحيث لا يتهمون العقل وقد يتهمون الأدلة إذا لم توافقهم في الظاهر حتى يردوا كثيرا من الأدلة الشرعية

وقد علمت ـ أيها الناظر ـ أنه ليس كل ما يقضي به العقل يكون حقا ولذلك تراهم يرتضون اليوم مذهبا ويرجعون عنه غدا ثم يصيرون بعد غد إلى رأي ثالث ولو كان كل ما يقضي به حقا لكفى في إصلاح معاش الخلق ومعادهم ولم يكن لبعثة الرسل عليهم السلام فائدة ولكان على هذا الأصل تعد الرسالة عبثا لا معنى له وهو كله باطل فما أدى إليه مثله

فأنت ترى أنهم قدموا أهواءهم على الشرع ولذلك سموا في بعض الأحاديث وفي إشارة القرآن أهل الأهواء وذلك لغلبة الهوى على عقولهم واشتهاره فيهم لأن التسمية بالمشتق إنما يطلق إطلاق اللقب إذا غلب ما اشتقت منه على المسمى بها فإذا تأثيم من هذه صفته ظاهر لأن مرجعه إلى اتباع الرأي وهو اتباع الهوى المذكور آنفا

والرابع: أن كل راسخ لا يبتدع أبدا وإنما يقع الابتداع ممن لم يتمكن من العلم الذي ابتدع فيه حسبما دل عليه الحديث ويأتي تقريره بحول الله فإنما يؤتى الناس من قبل جهالهم الذين يحسبون أنهم علماء وإذا كان كذلك فاجتهاد من اجتهد منهي عنه إذ لم يستكمل شروط الاجتهاد فهو على أصل العمومية ولما كان العامي حراما عليه النظر في الأدلة والاستنباط كان المخضرم الذي بقي عليه كثير من الجهالات مثله في تحريم الاستنباط والنظر المعمول به فإذا أقدم على محرم عليه كان آثما بإطلاق

وبهذه الأوجه الأخيرة ظهر وجه تأثيمه وتبين الفرق بينه وبين المجتهد المخطىء في اجتهاده وسيأتي له تقرير أبسط من هذا إن شاء الله

وحاصل ما ذكر هنا أن كل مبتدع آثم ولو فرض عاملا بالبدعة المكروهة ـ إن ثبت فيها كراهة التنزيه ـ لأنه إما مستنبط لها فاستنباطه على الترتيب المذكور غير جائز وإما نائب عن صاحبها مناضل عنه فيها بما قدر عليه، وذلك يجري مجرى المستنبط الأول لها، فهو آثم على كل تقدير.

لكن يبقى هنا نظر في المبتدع وصاحب الهوى بحيث يتنزل دليل الشرع على مدلول اللفظ في العرف الذي وقع التخاطب به، إذ قد يقع الغلط أو التساهل فيسمى من لي بمبتدع مبتدعًا، وبالعكس إن تصور، فلا بد من فضل اعتناء بهذا المطلب حتى يتضح بحول الله، وبالله التوفيق، ولنفرده في فصل فنقول:


حقوق النشر والطبع © 1429هـ فضيلة الشيخ عبدالعزيز القارئ . جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2008 www.alqary.net . All rights reserved

info@alqary.net
50478