دَعْوَتُنَا : لأَهْلِ القبلةِ جميعًا إلى التزامِ منهجِ السلفِ، والائْتِلاَفِ في إطارِ أهلِ السنَّةِ والجماعَةِ، والاجتماعِ على الكلمَةِ "كلمَةِ التوحيدِ" وإصلاحِ المجتمعاتِ على ضوءِ ذلك، وتجديدِ الدينِ، وحياةِ المسلمين؛ حتى ينهضوا من جديدٍ أمةً أفضلَ؛ تأمر بالمعروفِ وتنهَى عن المنكرِ وتؤمنُ باللهِ، وتقومُ بواجِبِ الدعوةِ والجهادِ.
: شرح الجوهرة المدنية

  شرح الجوهرة المدنية_(3)  
 

وَيَـقْتَـدُونَ بِالنَّـبِيِّ الأَكْمَلِ         فِي الْعِلْمِ وَالْقَوْلِ وَكُلِّ الْعَمَـلِ
يَـتَّبِعُـونَ السُّـنَّـةَ المُطَهَّرَهْ          وَنَهْجَ أَصْـحَابِ النَّبِيِّ البَرَرَهْ
فالْزَمْ هُـدَاهُمْ أُمَّـةً مُتَّبِعَـهْ           وَاحْذَرْ أُولِي الأَهْوَاءِ وَالْمُبْتَدِعَهْ
قَدْ سَـعِدَتْ طَوَائـِفُ الأَبْرَارِ         بِحُبـِّهِمْ لِسُـنَّـةِ الْمُـخْتَارِ
وَشَـقِيَتْ فُـلُولِ أَهْـلِ النَّارِ         بَنَقْضِـهِمْ وَصِـيَّـةَ الجَـبَّارِ
وَبُغْضِـهِمْ لِسُـنَّـةِ الرَّسُولِ          فَكَفَـرُوا بِسَـائِـرِ التَّـنْزِيلِ
وَالسُّـنَّـةُ الثَّابِتَـةُ الصَّحِيحَهْ         مَعْرُوفَـةٌ لِكَامِـلِي القَرِيحَـهْ
لِلدِّينِ مَصْـدَرَانِ مَحْـفُوظَانِ          وَحْـيَانِ كَامِـلاَنِ مَعْصُومَانِ
هَذَا الْقُرَانُ يَا لَهُ مِـنْ مِـنَّـهْ         وَالمَصْدَرُ الشَّارِحُ وَهْوَ السُّـنَّهْ
وَلاَ تَـقُومُ لِلْبِـنَاءِ قَائِـمَـهْ          بِغَيْرِ هَذَيْـنِ فَكُفَّ اللاَئِمَـهْ

إنما بعث الله الرسلَ ليدعوا أممهم إلى عبادة الله ويعلِّموهم كيف يعبدونه، قال تعالى:

(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [النحل: ٣٦].

فلا سبيل أمام الناس لمعرفةِ ربهم وعبادتِهِ إلا بواسطة الرسلِ، ولذلك أوجَبَ اللهُ طاعتَهم وفَرَضَ اتباعَهم، قال سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ) [النساء: ٦٤].

وخاتَمُ الرسلِ وإمامُهُم نبيُّنَا محمدٌ ^ هو مِثْلُ إخوانه المرسلين في ذلك، أوجَبَ اللهُ على أُمَّتِهِ طاعتَه وفَرَضَ عليهم اتباعَهُ، وجعَلَ ذلك السبيلَ الوحيدَ للوصول إلى رضوانه عز وجل، قال تعالى: (مَن يُطِعِ الرَّسُولُ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ) [النساء: ٨٠].

وقال: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) [آل عمران: ٣١].

بل وعلَّقَ صحةَ الإيمان على طاعته ^ والرِّضَا بحكمه فقال: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِكُمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء: ٦٥].

وطاعتُهُ ^ إنما تكون باتباع سنته والتمسُّكِ بها والاعتصام بها، لا يقوم الدينُ إلا بذلك.

ما أكثَرَ ما كان النبيُّ ^ يوصِي بذلك وينبه أمتَهُ لِسُنَّتِهِ ويحثُّهُم على اتباعها، ويُحَذِّرُهم من البدع..

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: كان رسول الله ^ يخطب الناسَ فيحمدُ اللهَ ويثني عليه بما هو أهلُهُ ثم يقول: "من يهدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يضلِلْ فَلاَ هَادِيَ له، وخيرُ الحديثِ كتابُ الله عز وجل وخيرُ الهَدْيِ هَدْيُ محمدٍ وشَرُّ الأمورِ مُحْدَثَاتُهَا، وكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ"(1).

وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ^: "مَنْ رَغِبَ عن سنتِي فليسَ مِنِّي"(2).

وتأتي أهمية السنة من كونها القسمَ الثاني من الوحي الذي أُوتِيَه النبيُّ فمن كَفَرَ بها فقد كَفَرَ بالأول وهو القرآن، ثم تَعْظُمُ أهميتُهَا بكونها المصدرَ الثاني لهذا الدين وشرائِعِهِ، بل هي المصدرُ الشارحُ للقرآنِ المُبَيِّنِ لِمُجْمَلِهِ، الكاشفُ عن معانيه المُرَادَةِ، لأنَّ القرآن حَمَّال، ولم تُفَصَّلْ فيه جميعُ الشرائع، فبدون السنة لا يَتَأَتَّى لأحدٍ أن يُقِيمَ فرائضَ هذا الدينِ وأحكامَهُ، ولا سُنَنَهُ وآدابَهُ.

فمن توهم أنه يقيم الدينَ بالقرآن وحده فهو جاهلٌ أو صاحِبُ هَوَىً، وقد حذَّرَ النبيُّ ^ من مثل هذا وأخبَرَ أُمَّتَهُ بأنَّ الوحي الذي أُوحِيَ إليه لم يكن القرآن وحده، بل كان معه السنة.

عن المقدام بن مَعْدِ يكَرِب رضي الله عنه عن رسول الله ^ أنه قال: "أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ القرآنَ ومثلَهُ معه، أَلاَ يُوشِكُ رجلٌ شبعانُ على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فَأَحِلُّوه وما وجدتم من حرام فحَرِّمُوه"(3).

فالسنةُ مثلُ القرآن: وهذه المِثْلِيَّةُ من حيثُ كونُهَا وحيًا وحجةً كالقرآن، ومن حيث لزومُ التمسُّكِ بها واتباعُهَا.

وفي هذا الحديث تعريضٌ بمن يَخْتَلُّ عنده الفهمُ في مثل هذا المبدأ الأساسيِّ "رجلٌ شبعانُ على أريكتِهِ" أي من أهل التَرَفُّهِ والدَّعَةِ الذين لم يطلبوا العلمَ ولم يَرُوحُوا ويَغْدُوا في طلبه من مَظَانِّهِ واقتباسِهِ من أهله(4).

وفيه تحذيرٌ من أهل الأهواءِ والبِدَعِ الذي دَأَبُوا على تَتَبُّعِ متشابِهِ القرآنِ واشتغلُوا به، وتَرَكُوا السننَ التِي قد ضَمنت بيانَ الكتابِ فتحيَّرُوا وضَلُّوا وأَضَلُّوا(5).

ثم إن أكثرَ الحرامِ والحلالِ إنما بَيَّنَتْه السنَّةُ، وما بَيَّنَهُ القرآنُ منها على وجه الإجمال فصَّلَتْهُ السنةُ، فَمَن اقتَصَرَ على القرآن هَدَمَ معظمَ الدين..

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "سيأتي ناسٌ يجادلونكم بشبهاتِ القرآنِ فخذوهم بالسنن؛ فإن أصحابَ السنن أعلمُ بكتابِ الله"(6).

ومع السنة يأتي مصدرٌ ثالثٌ شارحٌ لَهَا، وهو فَهْمُ الصحابةِ وفقهُهُمْ، ومنهجُهُمْ في العلم والعمل والجهاد، وعلى رأسهم الخلفاء الأربعة المهديون الراشدون.

فإن الصحابةَ رضوان الله عليهم أجمعين شهدوا التنزيلَ وتَلَقَّوا عن النبيِّ ^ مباشرةً، وطبَّقُوا المنهجَ بتوجيهِهِ ^ وتحتَ إشرافِهِ، فكانوا الأنموذجَ الأمثلَ للمنهج، فلا سبيلَ إلى فهمه إلا بطريقهم..

عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: صلَّى بنا رسولُ ^ ذاتَ يوم ثم أَقْبَلَ علينا فوعَظَنَا موعظةً بليغةً ذَرَفَتْ منها العيونُ وَوَجِلَتْ منها القلوبُ فقال قائل: يا رسولَ الله كأنَّ هذه موعظة مُودِّعٍ فماذا تعهد إلينا؟ فقال: "أوصيكم بتقوى الله، والسمعِ والطاعةِ وإن عَبْدٌ حبشيٌّ، فإنه من يَعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتِي وسنةِ الخلفاء المهديين الراشدين، تمسَّكُوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومُحْدَثَات الأمور، فإنَّ كلَّ محدثةٍ بدعةٌ وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ"(7).

وما اجتمع عليه الصحابةُ يرقَى في حُجِّيَّتِهِ إلى مَصَافِّ المصدرين القرآنِ والسنةِ:

قال تعالى: (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولُ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمض وَسَاءَتْ مَصِيرًا) [النساء: ١١٥]

وأما ما اختلفوا فيه فهو توسعةٌ على الأمة ورحمةٌ؛ كما قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله:  "ما أُحِبُّ أنَّ أصحابَ رسولِ الله ^ لم يختلفوا، لأنه لو كانوا قولاً واحدًا كان الناسُ في ضيقٍ، وإنهم أئمةٌ يُقْتَدَى بهم فلو أَخَذَ رجلٌ بقولِ أحدِهِم كان في سَعَةٍ"(8).

وقد خصَّ اللهُ تعالى الفرقةَ الناجيةَ المَرْضيةَ بهذه السِّمَةِ الكريمةِ والمَنْقَبَةِ العظيمةِ، فوفَّقَهَا لاتباع سنةِ النبيِّ ^، والاقتداءِ به في كلِّ الأمور، فهم متمسِّكونَ بالسنةِ النبويةِ، وبمنهجِ الصحابةِ الكرامِ في العلم والعمل والجهاد..

وهذا ما يُفَارقُونَ بِهِ أهلَ البدع والأهواء الذين أَعْرَضُوا عن سنةِ النبيِّ وعن منهج الصحابة وطريقَتِهِم، وصارُوا يُجَادِلُونَ عن بِدَعِهِم وأهوائِهِم ويتعلَّقون بظواهر القرآن، ويتتبعون المتشابهات من آياته، وجعلُوا بجهلهم وتفريطهم هذا المصدرَ الأساسيَّ للدين، وهو "السنة" الشارحةُ للمصدر الأول "القرآن" مجالاً للأخذ والرد ومحلاً للتشكيك.

ولما رأى أئمةُ العلم من أهل السنة والجماعة ذلك فزعوا إلى سنة نبيهم ^ يَذُودُونَ عن حماها، ويحثُّون الأمةَ على الاعتصام بها، ويبيِّنُونَ عِظَمَ مكانها في الدين(9).

ونَهَضَ هؤلاء الأئمةُ أيضًا بجَمْعِ السنة النبوية وصَنَّفُوا في ذلك المصنفات بمنهج علميٍّ في غايةٍ من الإِحْكَامِ والإتقانِ جَمْعًا وتوثيقًا ونقدًا.

فالكتبُ الستةُ، وغيرُهَا من المسانيد والمعاجم والمُصَنَّفات، والمُسْتَدْرَكَاتِ والمُسْتَخْرَجَاتِ، والموسوعاتُ الشاملةُ كجامعِ الأصول لابن الأثير، وجامع المسانيدِ لابن كثير، وإتحاف الخيرة المهرة للبوصيري، والجامع الكبير للسيوطي، وغيرها..

كل هذه الدواوين العظيمةُ جَمَعَتِ الأحاديثَ النبوية والآثارَ بحيث يمكن القطعُ بأنه لم يَضِعْ شيءٌ من السنة؛ بل هي محفوظةٌ كما حُفِظَ القرآن.



(1)  مسند أحمد 3/371، صحيح مسلم 2/ 592، صحيح ابن حبان 1/186.

(2)  متفق عليه: البخاري 7/2، ومسلم 2/ 1020.

(3)  أبو داود (معالم السنن 7/7).

(4)  ذكره الخطابي (انظر: المصدر السابق).

(5)  انظر: معالم السنن للخطابي 7/7.

(6)  سنن الدارمي 1/62، الشريعة للآجري 1/ 419.

(7)  أبو داود (معالم السنن 7/11)، الدارمي 1/57.

(8)  جامع بيان العلم لابن عبد البر 2/80، والفقيه والمتفقه 2/59.

(9)  في جميع دواوين الحديث تجدُ بابًا أُفْرِدَ للاعتصام بالسنة وبيانِ مكانتها، وأهمِّ مسائلها، ولم يكتفِ الأئمةُ بذلك بل أفردوا مصنفاتٍ لذلك: كالسنة للإمام أحمد؛ رواية ابنه عبد الله، والسنة لابن أبي عاصم، والرد على الجهمية للإمام أحمد، والرد على بشر المريسي للدارمي، والإيمان لابن منده، والإبانة لابن بطة، واعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي، والتوحيد لابن خزيمة، والشريعة للآجري، ونحو ذلك من الكتب التي حفظت لأهل السنة والجماعة أصولَ اعتقاداتهم والتي أعظمُهَا وأهمُّهَا "السنةُ النبويةُ".


حقوق النشر والطبع © 1429هـ فضيلة الشيخ عبدالعزيز القارئ . جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2008 www.alqary.net . All rights reserved

info@alqary.net
50454