وَحُـبُّـهُـمْ لآلِـهِ الْكِـرَامِ وَصَـحْبِـهِ دَعَائِـمِ الإِسْـلامِ
آل بيت رسول الله ^ وعلى رأسهم "أهل الكساء" يحبهم أهل السنة والجماعة ويدينون الله بذلك، لأنه من لوازم حبهم لرسول الله ^؛ فإن المحب الصادق يحب محبوبات المحبوب، وكان رسول الله ^ يحب أهل بيته، وأوصى الأمة بهم خيرًا، وعلق الإيمان على ذلك فقال مخاطبًا عمه العباس رضي الله عنه: "والله لا يدخل قلبَ امرئٍ إيمانٌ حتى يحبكم لله ولقرابتي"().
أما أهل الكساء فهم: ابنته فاطمة، وابناها الحسن والحسين، وأبوهما علي بن أبي طالب رضي الله عنهم وأرضاهم.
في الصحيح عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: خرج النبي ^ غداة وعليه مِرْط مُرحَّل من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: "إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا"().
وروى هذا الحديث عن أم سلمة أن ذلك كان في بيتها وأن رسول الله ^ جللهم بكساء كان عليه ثم قال: "هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنه الرجس وطهرهم تطهيرا"().
وقد بين النبي ^ حبه لكل واحد من هؤلاء بالتفصيل، فقال في ابنته فاطمة: "فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها"().
وقال في الحسن والحسين: "هما ريحانتاي من الدنيا"().
وقال في الحسن وقد اعتنقه وحمله على عاتقه: "اللهم إني أُحِبُّه فأَحِبَّه"().
وقال في علي بن أبي طالب: "أنت مني وأنا منك"().
وقال يوم خيبر: "لأعطين الراية غدًا رجلاً يحب اللهَ ورسولَه ويحبه اللهُ ورسولُه"فأعطاها عليًا().
ثم أوصى بآله جميعًا على وجه الإجمال في حديث الثقلين المشهور عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: "قام رسول الله ^ يومًا فينا خطيبًا بماء يُدعى "خما"بين مكة والمدينة فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: "أما بعد: ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به – فحث على كتاب الله ورغب فيه – ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي"().
قال زيد رضي الله عنه: "أهل بيته من حُرم الصدقة بعده وهم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس"().
والمشهور عند العلماء أن جميع بني هاشم وبني المطلب تحرم عليهم الصدقة.
فمما يتميز به أهل السنة والجماعة أنهم امتثلوا لقوله تعالى: (قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) ().
كما نفذوا وصية النبي ^ بأهل بيته، فأحبوهم بغير غلو، ونصروهم حق النصرة، بخلاف أهل البدع والأهواء.
وهذا هو منهج السلف رضوان الله عليهم أجمعين فقد كانوا يتواصون بحب آل محمد ^ وأداء حقوقهم ..
روي البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: "ارقبوا محمدًا ^ في أهل بيته"().
وفي الصحيح أنه قال لعلي رضي الله عنه: "والله لقرابة رسول الله ^ أحب إليَّ أن أصل من قرابتي"().
وقال عمر بن الخطاب للعباس رضي الله عنهما: "والله لإسلامك يوم أسلمتَ كان أحبَّ إليَّ من إسلام الخطاب لو أسلم لأن إسلامك كان أحب إلى رسول الله ^ من إسلام الخطاب"().
فتأمل كيف بلغ حبهم لرسول الله ^، فهم يتحرون ما يحبه ^ فيحبونه().
ويدين أهل المنهج الحق بحب أصحاب رسول الله ^ وعلى رأسهم الشيخان: أبو بكر ثم عمر، ثم يلي عمر عثمان ثم يليه علي على هذا الترتيب في الأفضلية والإمامة كما سيأتي().
ثم عموم الصحابة رضي الله عنهم أجمعين: يحبونهم ويكفون ألسنتهم عنهم، ويمسكون عن الخوض فيما شجر بينهم، بل يلتمسون لهم العذر والتأويل.
كما يوقرون أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، كيف وهن أهل بيته ^ وعرضه.
لم يفرقوا بين أصحاب رسول الله ^ وبين آله كما لم يفرقوا بين أحد من رسل الله تعالى، وهذا هو شأن المؤمنين.
ففي تصور أهل السنة والجماعة أن من كان حول النبي ^ من آله وأزواجه وأصحابه كلهم كانت كلمتهم مؤتلفة على محبته ونصرته، وأن بيوته ^ كانت طاهرة وعرضَه كان مصونًا.
بخلاف ما يتوهمه أهل الأهواء ويدَّعونه وهم "الروافض"من أنه كانت هناك نفرة وفُرْقَة بين آل النبي ^ وبين أصحابه، مع ما يترتب على دعواهم من اتهام للنبي ^ بأنه فَشِلَ في أداء رسالته، وأقبح من ذلك الطعن في أمهات المؤمنين فإنه يلزم منه الطعن في عرضه ^..
ومن يقرأ الأحاديث المروية في كتب أهل السنة في مناقب آل النبي ^ والوصاية بهم يدرك مدى الألفة واتفاق الكلمة بينهم وبين الصحابة، إذ أن تلك الأحاديث إنما رواها أمهات المؤمنين كعائشة وأم سلمه رضي الله عنهما، ورواها الصحابة كزيد بن أرقم وأنس بن مالك وغيرهم.
إن أهل السنة والجماعة في هذا الباب إنما ينفذون تعاليم القرآن ووصية النبي ^..
فالقرآن حافل بالثناء على أصحاب رسول الله ^ وتزكيتهم: قال تعالى: (لَقَد تَّابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ)().
وقال: (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا)().
وقال: (مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْئَهُ فَأَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهُ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ.. ) الآية().
واستدل الإمام مالك رحمه الله بهذه الآية على تكفير من يبغض الصحابة رضي الله عنهم().
ولقد أوصى النبي ^ بأصحابه كما أوصى بأهل بيته وأثنى عليهم من حيث الجملة، وأثنى على بعضهم بالتفصيل.
قال ^: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"().
وقال: "لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفَه"().
وقال في خصوص الأنصار: "آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار"().
وقال في الخلفاء الأربعة: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عَضُّوا عليها بالنواجذ .."().
وأوصى بالشيخين فقال: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر"().
إن مسألة "الصحابة "ليست مجرد قضية متعلقة بشخصياتٍ كريمة، ونماذج عالية سامية، بل هي أعظم من ذلك، لأنها تتعلق بمصادر هذا الدين، إذ أن الصحابة هم الذين نقلوا إلينا القرآن، والسنة، وأدوا إلينا شرائع هذا الدين، فالطعن فيهم هدم للدين كله.
قال أبو زرعة() رحمه الله: "إذا رأيتَ الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ^ فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول ^ عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحابُ رسول الله ^، وإنما يريدون أن يجرحوا شـهودنا ليبطلوا الكتاب والسنـة، والجرح بهم أولى، وهم زنادقـة"().
|