الرحلة إلى الحجاز:
في عام 1357 هـ رحل الشيخ "محمد أعظم الحسيني" إلى الديار المقدسة بنية الحج، وبنية الهجرة، واصطحب معه ابنته "سارة" وتلميذه الأثير "فتح الله" وأخويه "المرتضى" و"موسى" وبقية أفراد الأسرة، منهم ابن أخيه وربيبه "جنيد" و"نصر الله" أصغر أبناء شيخه "عبد الرحيم"، وكانت الرحلة إلى الهند أولاً، ثم ركبوا البحر من ميناء "بومباي" إلى جدة، إلا أنهم لأمرٍما تركوا "جنيدًا" و"نصرَ الله" بالهند، ربما في إحدى المدارس؛ ومدارس الهند تتبنى التلميذ كاملاً؛ فيتعلم في المدرسة ويعيش بها تحت رعاية كاملة وعناية شاملة، وهذه من أسرار نجاح علماء الهند وباكستان "الديوبنديين" في المحافظة على أجيال المسلمين.
وبعد رحلة جهيدة طويلة في البحر الهندي وخليج عدن وصلوا إلى مرفأ جدة، ومنه إلى البلد الحرام مكة المكرمة. وبعد أداء الحج استقر الجميع في مكة، فرحين بهذا المُقَام المبارك في البلد الحرام، إلا أن القلوب كانت مشتاقة إلى المدينة المنورة؛ حيث رحلوا إليها بعد ذلك.
أما فتح الله فقد بقي في مكة، والتحق بالمدرسة الصولتية، وذلك في مطلع عام (1358) هـ ..
وكان يكسب قوت يومه من دكان صغير عمل الشيخ عبد الفتاح بن عبد الرحيم القارئ
فيه "خَصَّافًا"، وأثناء دراسته بالصولتية كان يقرأ عندما كان شابًا في مكة المكرمة
بالمسـجد الحرام القراآت السـبع بمضمن الشاطبيـة على المقرئ المصري المكي الشـهير أحمد بن حامد التيجي الريدي، ونال منـه الإجازة بإسناده المعروف عام 1363 هـ.
وممن قرأ على الشيخ التيجي مقرئُ "حمص" ومفتيها الشيخ عبد العزيز عيون السود لكنه قرأ عليه قبل هذا التاريخ عندما كان الشيخ التيجي بالمدينة المنورة قبل انتقاله إلى مكة المكرمـة عام 1347هـ. وكان الشـيخ التيجي قد وصل إلى الحجاز من مصر عام (1316) هـ، وجاور بالمدينـة المنورة إلى سـنـة 1335 هـ؛ حيث رحل إلى الشام، وأقام بحلب، ثم انتقل منها إلى مكة عام 1347هـ عند ما الشيخ أحمد بن حامد التيجي الريدي المصري المكي
طلب منـه "محمد زينـل على رضا" مؤسـس مدرسـة الفلاح بمكـة أن يدرِّس فيها في شـعبـة القرآن.
وفي المدرسة الصولتية دَرَسَ الشيخ عبد الفتاح على مشاهير العلماء بمكة منهم العلامة التتري "موسى جار الله القازانلي" نسبة إلى مدينة "قازان" ببلاد "تتارستان"؛ وهي مدينة كانت مشهورة بالعلم والعلماء، وقد طُبِعَتْ بها نفائس الكتب الإسلامية؛ ولما سألتُ يومًا من الأيام فضيلةَ العلامة المقرئ الشهير الشيخ "عبد الفتاح بن عبد الغني القاضي" عن أصح طبعة لمتن "الشاطبية" العلامة موسى جار الله القازانلي
ذكر طبعـة قازان بمراجعـة العلامـة "موسى جار الله القازانلي"؛ وأهداني نسخته منها.
من أنفس مؤلفات العَلاَّمة "موسى جار الله" كتاب "الوشيعة في نقض عقائد الشيعة"؛ وقصة تأليفه لهذا الكتاب أنه مكث بالعراق رَدْحًا من الزمن، خَالَطَ فيه علماءَ الروافض في "النجف" و"بغداد" وعرف أسرَارَهم ومقالاتِهِم وعقائدَهُم ثم ذهب إلى "إيران" واستقبلوه في مراكزهم في "قم" وغيرها وأُعجِبُوا بعلمه، ومكث هناك برهةً من الزمن، ثم عاد إل العراق وقد صنف كتابه "الوشيعة"؛ فلما أظهره هددوه بالقتل؛ فخاف من غدرهم وسافر إلى مصر وطبع كتابه بها، نشرته مكتبةُ "الخانجي" بالقاهرة، وعندي هذه الطبعة.
وكان الشيخ "عبد الفتاح" يَحْضُرُ بالمسجد الحرام بعضَ دروس الشيخ "سعد وقاص البخاري" في الحديث والتفسير، وهذا الشيخ من علماء مكة وقرائها، كان مشهورًا بالصلاح تبدو عليه علامات الولاية، وممن درس عليه القرآن سماحة الشيخ ابن باز.
ومن الطرائف أنه ذات يوم بينما كان الشيخ عبد الفتاح بالمسجد الحرام مع بعض أصدقائه من البخاريين، ثم قاموا منصرفين، واتجهوا إلى أحد أبواب المسجد للخروج؛ فإذا بثلة من الجند يستوقفون الناس؛ فهرب من كان مع الشيخ عبد الفتاح من باب آخر، أما هو فتقدم رابطَ الجأش وهو يقول:
لم أرتكب شيئًا أخاف منه..
وعند الباب استوقفه الجندي قائلاً:
- خذ هذه تابعية يا مُطوَّع واذهب بها غدًا إلى مكتب النائب للتوقيع.
وفي مكتب نائب الملك على الحجاز – وكان الأمير فيصل بن عبد العزيز آل سعود – سأله الموظف:
- ما اسمك ؟
- اسمي فتح الله.
ولم يستسغ الموظف هذا الاسم فقال:
- بل أنت عبد الفتاح.
وأصبح من يومها "عبدَ الفتاح" وقد رُوي في الحديث الضعيف: "خير الأسماء ما عُبِّد وحمِّد"
وفي اليوم التالي استلم الورقةَ بعد أن وقَّعَ عليها "فيصل بن عبد العزيز آل سعود"، بتاريخ 1351 هـ.

وقد أَتَمَّ الشيخ عبدُ الفتاح دراستَه بالمدرسة الصولتية بعد أن أتمَّ دراسةَ القسم الثانوي، وعُيِّن مدرسًا بها في القسم الابتدائي وقسم حفاظ القرآن؛ فدرَّسَ بهما سنتين (1361) هـ و(1362) هـ، وفي 8/2/1363 هـ عُيِّن مدرسًا بالمعارف، وأُرسل إلى الجنوب فدرَّسَ بـ "مُحَايِل" في تهامة سنةً، ثم نُقل إلى "أبها" مُدرِّسًا بالمدرسة الابتدائية بها، وكان مديرها الشيخ "عبد المالك الطرابلسي" - من علماء مكة وقرائها – هو الذي اقترح نَقْلَه إلى هذه المدرسة، حيث درَّسَ بها سنةً أيضًا.
ومن طُرَفِ هذه الفترة أنه لما اقترب شهر رمضان أُثِيرَت في مجلس أمير "أبها": "تركي بن ماضي السديري" مسألَةٌ، هي: هل يمكن خَتْمُ القرآن كلِّهِ في ليلةٍ واحدةٍ، وأنكر معظم الحاضرين ذلك، وقال أوسطهم إنه سمع أن بعض القراء في مكة يفعلونه، فقال الأمير: إن مدير المدرسة الشيخ عبد المالك من قراء مكة فنسأله ..
وعَرَضَ الشيخ "عبد المالك" على والدنا الشيخ عبد الفتاح أن يقوم بذلك، فاستجابَ، وحُدِّدت ليلةُ سبعٍ وعشرين موعدًا لذلك ..
وفي الليلة الموعودة جاء الشيخ عبد الفتاح؛ فاستقبله الأمير بالترحاب، وإذا بمسجد القصر قد اكتُظَّ بالناس؛ جاء أعيانُ "أبها" يتوقون لمشاهدة هذه الأعجوبة، وبعد صلاة العشاء مباشرة تقدم الشيخ عبد الفتاح واستفتَحَ التراويحَ بصوتٍ نديٍّ جميلٍ، وفي البداية كانت سرعة القراءة مُحتَمَلَةً، وانسجم الناسُ مع حلاوةِ التلاوةِ، لكنَّ السرعة أخذت تتصاعد شيئًا فشيئًا، حتى عجز معظم الناس عن متابعة التلاوة؛ لكنها كانت مفهومةً، وفي الركعتين الأوليين من التراويح قرأ عشرة أجزاء، ثم بعد أن سلَّمَ التفت إلى المصلِّين في جلسة استراحة لم تدم إلا دقائق قليلة تَمَكَّنَ فيها أكثر من نصف المصلين من الفرار، وبعد أن قرأ العشرةَ أجزاءٍ التاليةَ التفت إلى المصلين في جلسةِ استراحةٍ ثانيةٍ؛ فإذا بالأمير جالسًا وحوله عدد قليل من حاشيته؛ وقال الأمير:
- لا إله إلا الله؛ أنا جالسٌ يا شيخ عبد الفتاح من الجزء السابع عشر عجزْتُ عن القيام.
وتبسَّمَ الشيخ عبد الفتاح ثم قام إلى بقية التراويح فقرأ العشرة أجزاءٍ الباقية َ وختَمَ قبل الفجر بساعةٍ أو أقل؛ ولما التفت كبَّرَ الأميرُ وأخذ يدعو للوالد الشيخ عبد الفتاح ويشكره على هذه المعجزة التي تحققت على يديه.
وفي سنة (1365) هـ عاد الشيخ "عبد المالك" ومعه والدنا الشيخ "عبد الفتاح" إلى مكة.
وفي أول هذه السنة تزوج الشيخ "عبد الفتاح" من ابنة شيخه "أعظم الحسيني": "سارة"؛ وذلك بالمدينة المنورة، ثم أخذها معه إلى مكة؛ حيث ولدت له في أواخِرِ تلك السنة أولَ أولاده "عبد العزيز"، وذلك ليلة الجمعة، الثالث والعشرين من ذي الحجة من ذلك العام (1365) هـ، وذلك في منزله بالمسفلة بمكة..
وهنا تنتهي الفصول المتعلقة بـ "الأصول" وتبدأ السيرة الذاتية لكاتب هذه السطور.
[ الحلقة التالية: الانتقال إلى نجد ] |