دَعْوَتُنَا : لأَهْلِ القبلةِ جميعًا إلى التزامِ منهجِ السلفِ، والائْتِلاَفِ في إطارِ أهلِ السنَّةِ والجماعَةِ، والاجتماعِ على الكلمَةِ "كلمَةِ التوحيدِ" وإصلاحِ المجتمعاتِ على ضوءِ ذلك، وتجديدِ الدينِ، وحياةِ المسلمين؛ حتى ينهضوا من جديدٍ أمةً أفضلَ؛ تأمر بالمعروفِ وتنهَى عن المنكرِ وتؤمنُ باللهِ، وتقومُ بواجِبِ الدعوةِ والجهادِ.
: أخبار و تعليقات

  الهجوم الصهيوني على غزة  
 

الهجوم الصهيوني على غزة

نسأل الله العظيمَ ربَّ العرش الكريم أن يكشف كَرْبَ إخواننا في غزة، ويتقبَّلَ شهداءَهم في عِلِّيِّين، ويشفي جرحاهم، وينصرهم على عدوِّهم؛ عدوِّ الإسلام والمسلمين؛ دولةِ البغي والعدوان؛ دولةِ العدو الصهيوني اليهودي..

وما فعله اليهودُ في غزة هذه الأيام من ظلم وقتل وتدمير ليس جديدًا في خُلُق هذا العدو الجبان، فقد مارس ذلك مرارًا وتكرارًا مع العرب والفلسطينيين منذ سنة 1948م، إنه طوال هذا التاريخ المديد يُعَرْبِدُ وَيُعَرْبِدُ، دون أن يلقَى أمَامَه من يردعه؛ لأنَّ رايةَ الجهاد وإن رفعت من قبل على يد الشهيد الشيخ عز الدين القسام لكنها غابت بعد ذلك، وصار القتال باسم القومية العربية، أو باسم الوطنية، أو باسم البعث العربي الاشتراكي، أو باسم الناصرية، أو باسم الماركسية اللينينية الاشتراكية، وغيرِ ذلك من الأسماء والأوثان؛ إلا الإسلامَ، لم يَرْفَعْ رايتَهُ أحدٌ قبلَ اليوم.

واليومَ "حماس" و "الجهاد الإسلامي"، والفصائلُ الإسلامية الأخرى رفعت لواءَ الإسلام، وأعلنت أنها تنتمي إلى الإسلام، وهذا هو سبب هذا الغضبِ الدوليِّ والإقليميِّ عليها، وهو سبب غضب بعض الدول العربية التي تخاف من الإسلام لأنها أَقْصَتِ الإسلامَ من برامجها وأهدافها؛ بل وحاربته وما تزال تحاربه..

وهو سبب حقد هذا القسم من الفلسطينيين؛ "محمود عباس ميرزا البهائي" ومن معه، مِمَّن باع ذمته للصهاينة، وصار يتبادل معهم القبلات، أي أنهم يوادُّونهم ويتآمرون معهم على إخوانهم الفلسطينيين المجاهدين.

إن هذه المحنة التي حلَّتْ بإخواننا في غزة فيها من العبر والفوائد ما لا يفهمه إلا ذووا البصيرة والنظر، على قاعدة: (لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) [النور: 11]، وعلى قاعدة: (عَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 216]

فعلى الرغم من كل هذا الألم، وهذه الإصابات البليغة، وهذه القوافل من الشهداء فإن في هذه المحنة من الدروس ما يأتي:

أولاً: اصطفى الله لنفسه كلَّ هؤلاء الشهداء واختارهم عنده، أرواحُهُمْ تَرْتَعُ في حدائق الجنة في حَوَاصِل طيرٍ خُضْرٍ؛ قال تعالى: (وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ) [آل عمران: 140]

ثانيًا: يَرْفَعُ درجاتِ الصابرين الصامدين ويقوِّي إيمانهم، وها نحن نسمع كلامَ بعضهم على شاشات التلفزيون من أنهم صابرون ثابتون صامدون، لم تزعزع إيمانهم هذه المحنة، ولم يَفُتَّ في عَضُدِهِم هذا البلاءُ، وإنَّ كلامَ بعضِ النسوة منهم ليثير الإعجابَ؛ لما يدل عليه من قوة إيمان، ووعي إسلامي، وصبر على ما نزل بهن من بلاء. قال تعالى: (وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) [آل عمران: 141]

ثالثًا: يُطَهِّرُ صفوفَ المؤمنين ويفصل بينهم وبين أهل النفاق، فقد كشفت هذه المحنة جميعَ المنافقين، من فريق العملاء والخونة من الفلسطينيين [محمود عباس ميرزا البهائي] وفريقه، ومن حكام العرب..

فالخونة من الحكام العرب انكشفت سَوْءَاتُهُمْ فوقفوا مُجرَّدين من أيِّ غطاءٍ يستر خيانتهم، والعاجزون منهم انكشفت سَوْءَاتُهُمْ وظَهَرَ عجزُهم وتجلَّت خيبتُهُم وعَدَمُ صلاحيتهم للحكم.

رابعًا: ظَهَرَ التناقض واضحًا بين برنامجين مطروحين في الساحة: برنامج الجهاد لاستعادة العزة المسلوبة والحقوق المنهوبة؛ وبرنامج الصفقات التجارية بين حكام العرب وبين اليهود، لأنَّ معظم حكام العرب يمارسون التجارة وليس الحكم هذا إذا لم نقل إنهم يمارسون اللصوصية فتوهموا أنهم يستطيعون حلَّ قضية فلسطين بصفقة يعقدونها مع اليهود، ويا لها من صفقةٍ خاسرة فاسدة؛ يبيعونهم كلَّ شيء ولا يقبضون شيئًا، إلا بَقَاءَهم على الكراسي؛ فلسانُ حالِهِم: نحن بنو العباسِ نجلس على الكراسي.

خامسًا: حَرَّكَتْ هذه المحنةُ هذه الأُمَّةَ كما لم تحركها أيُّ محنةٍ أخرى؛ وها هي المَسِيراتُ والمظاهراتُ تشتعل في كل مكان من العالم الإسلامي وبلاد العرب، بعضها مظاهرات مليونية، وهذه المظاهرات أسلوب سلميٌّ وشرعي راقٍ للتعبير عن المشاعر والآراء؛ وإذا استخف أحد بكل هذه المظاهرات الشاملة في بلاد العرب والمسلمين، فإننا نرى أنها تدل على أن هذه الأمة لا تزال روحها وَقَّادَةً مُنْفَعِلَةً؛ والروح الوقَّادَةُ المُنْفَعِلَةُ قادرةٌ على الفعل؛ إن أكثر من يعرف ذلك ويُقَدِّرُهُ الغربيون؛ يَرْصُدُونَ من خلال مثل هذه المظاهرات الرأيَ العامَّ ويعملون بموجب ما يرصدون ويستنتجون؛ بينما حكام العرب يتخبطون؛ ويحكمون بالأهواء وبالمزاج؛ مثالُ ذلك الرئيس المصري: يبدو أنه لم يلحظ أن الاحتجاجات في العالم الإسلامي من مشرقه إلى مغربه هو على شيئين: على العدوان الصهيوني، وعلى النظام المصري؛ ومع ذلك خرج بكل جرأة وعناد ليقول: موش حافتح معبر رفح.

سادسًا: أظهرت هذه المحنة كم هي صادقة ونقية وقوية وإسلامية منظمةُ "حماس" وإخوانُهُمْ من الفصائل الإسلامية، هذه النماذجُ الرائعةُ من رجالاتها: هنية، والزهار، ومشعل، وحمدان، وأبو زهري، وغيرهم أشعلتِ الأملَ في نفوسنا..

هنيئًا لأهل غزة أنَّ مثلَ هؤلاء تَوَلَّوا أمورهم؛ من أين يجد الآخرون حكامًا بهذا المستوى؛ لا يسرقون ولا يقتلون بريئًا ولا يخونون، أئمةُ مساجِدَ وأساتذةٌ بالجامعات، نسأل الله أن يحفظهم ويثبتهم ويشد من أزرهم ويحميهم من شرور أعدائهم؛ ويحميهم من شرور ذوي القربى فإنه أشد مضاضةً على النفسِ من وقع الحسام المهند.

سابعًا: وهذه أخطر عبرة في هذه المحنة، أن أهل غزة والمجاهدين في فلسطين كلها سُدَّتْ أمامهم أبوابُ حكام العرب؛ وهم حكامٌ من أهلِ السنة؛ ولو اسمًا فقط، والمفترض أنهم يمثلون شعوبًا سنية، في الوقت الذي فُتحت أمامهم أبوابُ الروافض إيران وحزبِ الله فأمدوهم بالسلاح والمال وكلِّ ما يحتاجون؛ وهذا نذيرٌ بأن الشيعة قادمون: نتيجة خيبةِ حكام أهل السنة؛ فماذا نحن صانعون؟

ثامنًا: إن المحنة قد تفاقمت على إخواننا في فلسطين، وعلى باقي العالم الإسلامي، واشتد أُوَارُهَا حتى يكاد المرء ليهتف: متى نصر الله؟ ويكاد الضعيف ليظن أن المؤمنين خُذِلُوا وقُضِيَ عليهم فلا قَوْمَةَ لهم ولا عزة، ومع أننا نتوقع أن تستمر المحن والفتن، ويشتد لهيبها أكثر وأكثر، وها هي الأرض مُلِئَتْ جورًا وخبثًا وظلمًا، لكننا نكاد نبصر بوادرَ الفرج وتباشيرَ النصر، وهذه من سنن الله الكونية والشرعية؛ أنه سبحانه من رحمته بعباده المؤمنين يجعل بعد العسر يسرًا (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) هكذا بأسلوب التأكيد، فليصبر إخواننا الفلسطينيون، وليصبر إخواننا في غزة، وليصبر المؤمنون في العالم كله فإن الفرج قد اقترب.

تاسعًا: هذه الوحشية الصهيونية وهذا الحقد اليهودي العجيب الذي ظهر بشكل مفجع في الهجوم على غزة، وظهر قبل ذلك في مجزرة قانا بلبنان، وكان يظهر في كل حروب هذه الدولة الصهيونية مع العرب، إنه يدل على أن من يُروِّج للسلام معها"هدفًا استراتيجيًا"وإلى الأبد، ويحلم بذلك هو أعمى أو يتعامى عن الحقيقة، فإن كان هو أعمى عن نصوص الشريعة التي دلت على حقد اليهود وحرصهم دائمًا على تدمير المسلمين: (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) [آل عمران: 118] (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ ءَامَنُوا الْيَهُودَ) [المائدة: 82]

فهل هو أعمى عما يجري في الميدان؟ انظر كيف يدمرون كل شيء، ويقتلون العُزَّلَ من النساء والشيوخ والأطفال؛ يقتلون الأطفالَ دائمًا وبكثرة؛ كأنهم بذلك يقتلون المستقبلَ، ويقولون لنا لا سلامَ بيننا وبينكم الآنَ ولا في المستقبل!! فهل يبقى بعد ذلك عاقل يحلم بالسلام الدائم معهم.  

عاشرًا: الواجب حيال ذلك أن يتحرك الجميع كل على قدر طاقته وفي مجاله، وأكثرهم مسؤولية العلماء، وشاهدنا شيئًا من ذلك، فقد تحرك الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين برئاسة العلامة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله ووفقه وأمده بالصحة والعافية وقرروا الاتصال بحكام العرب وزيارتهم لنصحهم والتشاور معهم، وهذا تحرك هام؛ وإن كنت شخصيًا أشك في أنه سيثمر عن أي شيء.

وأنا أرى أن يتحرك العلماء أيضًا للنظر في إمكانية تغيير حال الأمة وإصلاح شأنها واستثمار هذه الهبة الشاملة من مشرق العالم الإسلامي إلى مغربه، فإنها دلت على أن الأمة مهيأة للتغيير.

ولله الأمر من قبل ومن بعد، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

 

كتبه: عبد العزيز القارئ

     في 6/1/1430 هـ

  

 


حقوق النشر والطبع © 1429هـ فضيلة الشيخ عبدالعزيز القارئ . جميع الحقوق محفوظه
Copyright © 2008 www.alqary.net . All rights reserved

info@alqary.net
424